في إطار سلسلة قصتي مع أهل القرآن الكريم، تأتي هذه الحلقة مع قارئٍ من طرازٍ نادر، بل مع مدرسةٍ قائمة بذاتها، لا تُقاس بغيرها ولا تُزاحمها مدرسة أخرى، هو فضيلة القارئ الشيخ محمود خليل الحصري.
بادئ ذي بدء، أقولها بصدق وتجرد.. لم أجد عذوبة في الصوت، ولا صفاء في الأداء، ولا نقاء في النطق، كما وجدته عند الشيخ محمود خليل الحصري.
نعم، لكل قارئ نكهته، ولكل صوت مساحته وأثره، لكن الحصري حالة مختلفة، لا تدخل في باب المفاضلة بقدر ما تدخل في باب المرجعية.
الشيخ الحصري ليس مجرد قارئ جميل الصوت، بل هو قارئ يقرأ القرآن كما أُنزل، بلا زيادة ولا نقص، بلا استعراض ولا تكلّف.
هو صاحب المصحف المعلم، ذلك العمل الجليل الذي لا يُقصد به الإمتاع فقط، بل التعليم والتقويم والتأسيس.
من أراد أن يتعلم القرآن الكريم على أصوله الصحيحة:
مخارج الحروف،
وأحكام التجويد،
وضبط النطق،
وسلامة الأداء،
وإعطاء كل حرف حقه ومستحقه؛
فلا غنى له عن الشيخ محمود خليل الحصري.
لقد خلد الله ذكر هذا الرجل في الأرض، لا بالضجيج، ولا بالشيوع العابر، وإنما بالخدمة الصادقة للقرآن الكريم.
قراءةً،
وتعليمًا،
وتقعيدًا،
وتأصيلاً.
يمتلك الشيخ الحصري انسيابية في التلاوة لا مثيل لها؛
تلاوة تسير كما يسير الماء في مجراه، بلا تعثر، ولا اصطدام، ولا تعسّف.
قد لا يكون صوته جذابًا لعشاق التطريب والتمويج الصوتي، لكنه صوتٌ يخاطب من يريد القرآن نفسه، لا زخارفه.
هو قارئ من يحتاج إليه:
طالب العلم،
والمقرئ،
والمعلّم،
والحافظ،
والمبتدئ،
بل وحتى المنتهي.
من يحتاج إلى فهم القرآن،
والتعبد بالقرآن،
وتفسير القرآن،
وتذوق أسرار الأداء،
يعرف أن الشيخ الحصري ليس خيارًا، بل ضرورة.
لقد أتقن الشيخ الحصري القراءة بمختلف القراءات والروايات، مشهورها وغير مشهورها، وكان مجيدًا لكل أحكام التلاوة إجادة العارف لا إجادة المؤدي فقط.
ومن هنا أستطيع – دون مبالغة – أن أصفه بأنه:
عُمدة قرّاء القرآن الكريم،
شيخهم ومعلمهم،
كبيرهم وصغيرهم،
قديمهم وحديثهم.
حين أستمع إلى الشيخ الحصري، لا أستمع استماع الطرب، بل استماع التعلّم.
يذهب بي إلى عالم آخر، عالم التدقيق، والملاحظة، والوعي بالحرف والكلمة.
أجدني أود أن أعيد الآية مرة واثنتين، لا لأن الصوت شدّني، بل لأن الأداء أوقفني:
كيف خرج هذا الحرف؟
كيف استُوفي هذا الحكم؟
كيف وُضعت هذه الوقفة في موضعها دون إخلال بالمعنى؟
ولهذا وقف العلماء والأساتذة والمقرئون الكبار أمام قراءته مبهورين، لا من باب الانبهار، بل من باب الاعتراف بالمرجعية.
ومن هنا صار معلم الجميع،
وقارئ الجميع،
ومحفّظ الجميع.
العالم كله – شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا – إذا أراد أن يسمع القرآن كما أُنزل، عاد إلى صوت الشيخ محمود خليل الحصري.
عاد إليه ليصحح، لا ليقارن.
ليتعلم، لا ليُفتن.
وعلى المستوى الشخصي، أستمتع بقراءته سواء مجوَّدًا أو مرتلًا، استمتاع من يعرف قيمة ما يسمع.
في صوته عذوبة هادئة، غير صاخبة، تتسلل إلى القلب دون استئذان، وتثبت فيه دون ضجيج.
له نفس طويل، يعطي الآيات حقها كاملًا، فلا يظلم آية بالاستعجال، ولا يثقلها بالتمطيط.
ولم أسمع له – في حياتي كلها – وقفة شاذة، ولا قطعًا يخلّ بالمعنى، ولا حكمًا ناقصًا أو زائدًا.
كل وقفة عنده محسوبة،
كل سكتة لها معنى،
كل مدّ في موضعه.
رحم الله الشيخ محمود خليل الحصري رحمة واسعة،
وجزاه عن القرآن وأهله خير الجزاء،
وجعل ما قدّمه للقرآن في ميزان حسناته إلى يوم الدين.
وسيظل صوته شاهدًا، لا على جمال الأداء فحسب، بل على كيفية تلاوة القرآن كما ينبغي أن يُتلى.
وإلى الغد،
في حلقة جديدة من قصتي مع أهل القرآن.











