استكمالًا لقصتي مع أهل القرآن الكريم، أصل في هذه الحلقة إلى قارئٍ من طرازٍ خاص، قارئٍ ينتمي إلى فئة الكبار من أعلام التلاوة في المدرسة المصرية، غير أنّ له عندي منزلةً أقرب وأدنى؛ أشعر أنه منّي وأنا منه، قريبٌ من قلبي قرب الهمس، وأن قراءته للقرآن كأنها حديثٌ في أذني، وحديثٌ إلى قلبي، وحديثٌ موجّهٌ إليّ أنا دون سواي.
إنه فضيلة القارئ الشيخ محمود علي البنا رحمه الله، الذي حين أستمع إلى تلاوته، ينتابني إحساسٌ يصعب وصفه؛ تشعر أنّ القرآن لا يُتلى على الملأ، بل يُقال لك أنت، وأن الآية لا تمرّ عليك مرور السامعين، بل تقف أمامك وتخاطبك، وتدخل إلى وجدانك في هدوءٍ وطمأنينة.
قراءة الشيخ محمود علي البنا ليست استعراضًا للصوت، ولا منافسةً في المقامات، ولا بحثًا عن الدهشة، بل هي حضورٌ صادق لمعنى القرآن في القلب قبل الأذن.
الشيخ محمود علي البنا واحدٌ من أهم قرّاء المدرسة المصرية على مرّ التاريخ، له محبّون كُثُر، وله مقلّدون كُثُر، كما للشيخ الحصري مقلّدون، وكما للشيخ المنشاوي مقلّدون. غير أنّ للبنا خصوصيةً لا تُخطئها الأذن، ولا يُجادلك فيها القلب؛ خصوصية الصوت الحنون، ذلك الصوت الذي لا يقتحمك، بل يستأذنك، ولا يعلو عليك، بل يربت على روحك.
وقد صدق من وصفه من خبراء الأصوات بأنه صاحب الصوت الحنون؛ فالحنان في قراءته ليس صفةً عارضة، بل هو طابعٌ أصيل. تسمعه في مخارج الحروف، وفي الوقفات، وفي المدود، وفي اختيار مواضع الخشوع. خذ مثلًا قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، ما إن تخرج هذه الآية من فم الشيخ محمود علي البنا حتى تشعر وكأنه يُسدي إليك نصيحةً شخصية، وكأنه يقول لك: تزود… فإن خير الزاد التقوى. يقولها بصدق المربّي، وبهدوء الناصح، وبقرب من يعرف ضعف الإنسان وحاجته.
لا تمرّ الآية عنده كجملة محفوظة، بل تحمل معناها كاملًا، وتصل إليك محمّلة بالإحساس، كأنها رسالة خاصة لك، في طريقٍ طويل، ليومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون. وهذا ما يميّز قراءة الشيخ البنا؛ أنه يتعامل مع المستمع بوصفه مخاطَبًا لا متفرجًا.
وكذلك حين يقرأ قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. هنا يجب على المستمع أن يتوقف … تشعر وكأنك حاضرٌ في الغار، وكأنك تشهد اللحظة، وكأن الشيخ لا يقرأ تاريخًا، بل يعيد بناء المشهد في قلبك. حين يقول: لا تحزن، لا تسمعها كلمة، بل تشعر بها طمأنينة، وسكينة، وأمانًا يتسلل إلى صدرك. الشيخ محمود علي البنا يمنحك هذا الإحساس، ويجعلك تعيش القرآن لا تسمعه فقط.
أما قمة الأداء، وعظمة الأثر، فتتجلّى بوضوح حين تسمعه في قوله تعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾. هذه آية قرأها معظم القرّاء، وسمعناها بأصواتٍ شتّى، لكن الشيخ البنا حين يقرؤها يفتح لك بابًا آخر للفهم والتأمل. تشعر بعظمة السؤال، وهيبة المعنى، واتساع الأفق، دون صراخٍ أو تهويل، ودون افتعالٍ أو مبالغة.
الشيخ محمود علي البنا قريبٌ منّا؛ نشعر بقربه ونحن نستمع إليه. صوته يدخل إلى القلب مباشرة، وله نبرةٌ خاصة، لا تُشبه غيرها. في نبرته تشعر برجلٍ بسيط، صادق، غير متكلّف، لا متحذلق، يقرأ القرآن براحة الصدر، وهدوء النفس، ويجعل القرآن هو البطل في تلاوته، لا صوته، ولا قوته، ولا جهوريته.
لم يكن الشيخ البنا من أولئك الذين يعتمدون على العلوّ المفرط في الصوت، ولا على الخشونة، ولا على الجهارة الزائدة؛ بل كان يعتمد على المعنى، وعلى الصدق، وعلى الإحساس. لذلك يستأثر بك وهو يقرأ، ويأخذك إليه دون أن تشعر، ويجعلك تحسّ أنه يحدّثك أنت، سواء كانت الآية نصحًا، أو تحذيرًا، أو بشارة.
وقد كان رحمه الله قريبًا من أهل العلم، وكان موضع تقديرٍ لديهم، وله مواقف مع الشيخ محمد متولي الشعراوي، ومع غيره من كبار العلماء، الذين رأوا فيه قارئًا صادقًا، يحمل القرآن في قلبه قبل صوته، ويؤديه بأمانة وخشوع.
رحم الله الشيخ محمود علي البنا رحمةً واسعة، وجعل ما قرأه من كتاب الله في ميزان حسناته إلى يوم القيامة، وجزاه عن القرآن وأهله خير الجزاء، وجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
وإلى الغد…
في حلقة جديدة من قصتي مع أهل القرآن.












