الحياة النيابية في مصر تقف شاهدة على عمق الحضارة في هذا الوطن، بكل ما مر به من حقب تاريخية هامة قبل حوالي مائتي عام. عندما شهدت مصر أول ثورة ناضجة في العصر الحديث. وقيام الشعب بتنصيب محمد على واليًا على مصر. قبل أن يقوم السلطان العثماني بإرسال والٍ.. وهو الأمر الذي أدركه محمد على وجعله يستشير العلماء ويقيم مؤسسات بما فيها مجلس نيابي عام 1824. تحت اسم المجلس العالي الذي تشكل من 24 عضوًا، ثم أضيف لهم 24 عضوًا آخر من الشيوخ والعلماء والتجار.
وفي عام 1866 حدث تطور للحياة النيابية فى مصر بإنشاء – مجلس شورى النواب – فى عهد الخديو إسماعيل. والتي يؤرخ لها البعض على أنها البداية الحقيقية للحياة النيابية في مصر. على اعتبار أنه أول برلمان يمتلك اختصاصات نيابية ولائحة للنظام الأساسي للمجلس من 18 مادة. شملت نظام الانتخابات والشروط الواجبة للعضو وفترات انعقاد المجلس. ومعظم هذه الشروط أخذت من النظم الأوروبية وتأثرت تحديدًا بنظام الهيئة التشريعية الفرنسية. وكان أول مجلس شورى نواب مكونًا من 75 عضوًا منتخبًا.
التطور الثاني الذي حدث في الحياة النيابية المصرية كان نتاج ثورة 1919 التي أثرت بعمق في المجتمع المصري في شتى مناحي الحياة وعلى رأسها الحياة النيابية والسياسية.
وكان من نتاجها صدور إعلان 28 فبراير عام 1922 وحصول مصر على استقلالها وتحولها إلى دولة مستقلة ذات سيادة. واستنادًا على هذا الواقع الجديد تم وضع دستور 1923. وهذا الدستور حدد شكل الحياة السياسية في مصر. عندما أخذ بالنظام النيابي البرلماني القائم على أساس الفصل والتعاون بين السلطات. ونظم العلاقة بين السلطة التشريعية والتنفيذية. وجعل الوزارة مسئولة أمام البرلمان بينما جعل من حق الملك حل البرلمان ودعوته إلى الانعقاد.
كما أخذ دستور 23 بنظام المجلسين وهما مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وحدد الدستور مبدأ المساواة في الاختصاص بين المجلسين وعرفت هذه الفترة بأنها أهم فترة تطور للحياة النيابية.
أمس أنهى مجلس الشيوخ دور انعقاده الأول، وكانت جلسة بحق تاريخية وشاهدة على أهمية هذا المجلس الذي يضم نحبة من علماء وخبراء وحكماء هذه الأمة في شتى المجالات.. وتأكد من خلال ممارسة المجلس لنشاطه منذ مارس الماضي وحتى أمس أن وجود مجلس الشيوخ كان ضرورة ملحة لهذه الأمة أدركها الرئيس عبد الفتاح السيسي بخبرته وحكمته عندما قرر توظيف كل عناصر القوة الكامنة في هذا المجتمع لخدمة الأمة. وهو الأمر الذي استدعى تعديلاً دستوريًا لعودة مجلس الشيوخ والاستفادة من كل الخبرات بشكل مؤسسى. من خلال هذا المجلس على غرار ما يحدث في الدول الكبرى.
ولا أغالي إذا قلت إن مجلس الشيوخ المصري تفوق على نظرائه في الدول الكبرى. بعد أن تخلى أعضاؤه عن التحزب والفرقة والتكتلات الموجهة وكشف أعضاؤه عن عمق انتمائهم الوطني وتحضرهم في مواجهة كل القضايا وكان الانحياز لمصلحة الدولة المصرية والشعب المصري من خلال مناقشات بناءة وهادفة في كل القضايا التي طرحت على المجلس.
ولم يشهد المجلس أية مزايدة سياسية وضرب أروع المثل في الشفافية، وكانت الجلسة الختامية أمس بمثابة عرس ديمقراطي أشاد فيه الجميع بدور المستشار عبدالوهاب عبدالرازق رئيس المجلس الذي ضرب أروع الأمثلة في الحكمة والشفافية والديمقراطية من خلال إدارته للجلسات.. وإذا كان هناك ثمة ملاحظة واحدة على هذا المجلس فهي أنه يحتاج إلى مزيد من الاختصاصات حتى يضيف إلى مصر كل ما تستحقه من عقول وخبرات وعلم أعضاء هذا المجلس الموقر.
حمى الله مصر
نائب رئيس الوفد
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا
t – F اشترك في حسابنا على فيسبوك و تويتر لمتابعة أهم الأخبار المحلية