بعد الانتقام المروع الذي قام به بنيامين نتنياهو في غزة، ثمة بعض الحقائق التي طال انتظارها. أولاً، لن تقوم إسرائيل بتدمير حماس، كما وعد قادتها، ولا حتى بتدمير غزة.
ورغم أن إسرائيل تلحق الضرر بحماس عسكرياً، وربما بشكل كبير، بعد تدمير العديد من أنفاقها وفرار مقاتليها، فإن حماس حركة وإيديولوجية ساعد تطرف نتنياهو في الترويج لها في كثير من النواحي.
لقد أحبطت الحكومات الإسرائيلية اليمينية أي مفاوضات جادة مع الحزب الفلسطيني الأكثر «اعتدالاً»، ألا وهو حركة فتح التي كان يتزعمها الراحل ياسر عرفات، منذ قمة كامب ديفيد في العام 2000؛ قبل أكثر من عشرين عاماً. كما قاموا بقمع سكان غزة باستمرار، وفرضوا حالة حصار شبه مستمرة. فهل من المدهش حقاً أن يتحول العديد من الفلسطينيين يائسين إلى حماس؟
إن الدرس المستفاد من كل الصراعات الحديثة لابد وأن يكون أن فشل الأقوياء في إنهاء الظلم والتفاوض على حل له يؤدي إلى توليد الانفجار. وكما يُظهِر تاريخ بريطانيا المضطرب في أيرلندا الشمالية بوضوح، فعندما تفشل السياسة، يملأ العنف الفراغ.
أما عن الفكرة التي يروج لها زعماء الشمال العالمي، والتي مفادها أن المفاوضات مع قيادة السلطة الفلسطينية التي فقدت مصداقيتها في الضفة الغربية هي وحدها التي يمكن قبولها ـ فهي لن تنجح أيضاً. تتمتع حكومات الشمال العالمي بتاريخ من المحاولات والفشل في الترويج لمرشحيها «المفضلين» على الشعوب التي تطالب بحق تقرير المصير لاختيار ممثليها. ولا بد من ضم حماس بطريقة أو بأخرى.
وفي النهاية، الحل يجب أن يكون سياسيا. لا يستطيع الفلسطينيون، أياً كان انتماؤهم السياسي، هزيمة إسرائيل عسكرياً، لكن إسرائيل أيضاً لا تستطيع هزيمة الفلسطينيين عسكرياً. وكما كتب جوناثان باول، كبير موظفي توني بلير السابق في كتابه «التحدث إلى الإرهابيين»، فإن مثل هذه الصراعات لا يمكن حلها إلا عن طريق التفاوض. وعلى الرغم من مواقفهم العلنية، كان نتنياهو وجو بايدن وريشي سوناك يتفاوضون مع حماس بشأن إطلاق سراح الرهائن والسجناء، وإن كان ذلك من خلال قطر بشكل رئيسي.
ومع ذلك فقد ازدرى زعماء جناح اليمين في إسرائيل المفاوضات، وكرسوا أنفسهم بدلاً من ذلك لتحويل الأراضي الفلسطينية إلى أراضٍ تابعة محتلة. أما الضفة الغربية، التي تخضع جزرها الصغيرة لإدارة فتح اسمياً (لكنها في الواقع تسيطر عليها إسرائيل)، فهي تضم الآن نحو نصف مليون مستوطن إسرائيلي؛ ويعيش في القدس الشرقية ما يقرب من ربع مليون مستوطن إسرائيلي. ويشعر الزعماء في الشمال العالمي بالقلق، مشيرين إلى أن مثل هذه المستوطنات غير قانونية، لكنهم لا يفعلون شيئا، ويتسامحون مع المزيد من المستوطنين، وكذلك الحصار الطويل، والدمار شبه الكامل الآن لغزة.
لقد فشل حكام إسرائيل اليمينيون فشلاً ذريعاً في حماية مواطنيهم، ومن خلال ملاحقة فظائعهم الوحشية في غزة، فإنهم يعرضونهم للخطر على نحو أعظم.
وكان المستشار السابق لحكومة حزب العمل الإسرائيلي، دانييل ليفي، على حق عندما قال مؤخراً في مقابلة تلفزيونية: «لا يمكن للإسرائيليين أن يحصلوا على الأمن أبداً حتى يحصل الفلسطينيون على الأمن. المعادلة التي يمكنك من خلالها فرض نظام من العنف الهيكلي على شعب آخر، يمكنك حرمان شعب آخر من حقوقه الأساسية، وتعيش مع أمنك الخاص، هذه المعادلة لا تعمل أبدًا… لأنك عندما تقمع الناس، فأنت تعرف أنك تولد الرغبة في الانتقام. لا يمكنك في الواقع النوم بأمان في الليل».
مما لا شك فيه أن الأجندة الحقيقية للحكومة الإسرائيلية الحالية قد تتلخص في إخراج الفلسطينيين من أراضيهم إلى الأردن ومصر. والرفض القاطع الأخير لحل الدولتين.
منذ رئاسة باراك أوباما لم تكن هناك دبلوماسية ومشاركة جادة. وكما كتب مبعوث أوباما جون كيري في سيرته الذاتية: «في السياسة الخارجية.. نادراً ما يكون هناك تركيز كافٍ على مخاطر التقاعس عن العمل. وهذا ينطبق بشكل خاص على السلام في الشرق الأوسط».
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا
اشترك في حسابنا على فيسبوك و تويتر لمتابعة أهم الأ خبار المحلية













