في مشهد عبثي لا يليق بممثلي السلطة التنفيذية، تحولت أجواء روحانية خلال افتتاح مسجد «الكوامل» بمحافظة سوهاج إلى ساحة معركة كلامية وخناقة على الهواء، بطلاها نائب المحافظ وسكرتير عام المحافظة، في حضور المحافظ نفسه، رأس الهرم التنفيذي بالمحافظة، وعدد من القيادات التنفيذية والدينية، وجمع كبير من المصلين.
الواقعة، التي حدثت أون لاين أمام الكاميرات، كشفت عن حجم التدهور في منظومة الأخلاق والسلوكيات داخل مؤسسات الحكم المحلي.
لم يتورع الطرفان عن تبادل الاتهامات والتطاول اللفظي أمام الجميع، في مشهد خرج فيه «الحفاظ» من قاموس اللغة الرسمية، ليستبدل بـ«الردح البلدي» في سابقة مؤسفة.
الحضور أصيبوا بخيبة أمل حقيقية، ليس فقط من انزلاق الحوار بين كبار مسؤولي المحافظة إلى هذا المستوى المتدني، بل أيضاً من عجز المحافظ نفسه عن ضبط المشهد أو إنهاء المهزلة في مهدها.
بدا المشهد وكأنه يعكس انهياراً أخلاقياً وتنظيمياً وحتى إدارياً داخل الجهاز التنفيذي، لا سيما أن الواقعة حدثت في مناسبة دينية وسط أجواء من المفترض أن تسودها الروحانية والوقار.
ما جرى في سوهاج ليس مجرد مشهد عابر، بل انعكاس لحالة تجاوز مستشر في مفاصل الدولة، خاصة على مستوى الإدارات المحلية التي يفترض أن تكون واجهة الانضباط والقدوة.
ما حدث يفرض ضرورة تحرك حكومي عاجل، ليس فقط للتحقيق ومحاسبة المتورطين في هذه المهزلة، بل لوضع معايير أكثر صرامة في اختيار القيادات، وتفعيل برامج تأهيل وتدريب تعيد الاعتبار لقيم المسؤولية والانضباط والاحترام داخل الجهاز الإداري.
السكوت على مثل هذه الوقائع يعني تكريس الفوضى، وتمكين ثقافة الصوت العالي والشتائم بدلاً من العمل المؤسسي المحترم.
إن ما حدث لا يمكن اعتباره مشادة فردية أو لحظة انفعال عابرة، بل هو جرس إنذار مدو، يسلط الضوء على الحاجة الملحة لإعادة تقييم معايير اختيار القيادات المحلية، وضرورة غرس قيم الاحترام والانضباط في مؤسسات الدولة.
إذا كان هذا هو حال المسؤولين الكبار أمام أعين الناس، فكيف يكون الحال في الغرف المغلقة؟ وكيف يُمكن للمواطن أن يثق في إدارة تسودها هذه الأجواء من الفوضى والسجالات الشخصية؟
باختصار.. الأزمة ليست فقط في الأصوات المرتفعة والشتائم المتبادلة، بل في الرسالة التي وصلت للمواطن البسيط: أنه حتى في افتتاح بيت من بيوت الله، لا يُمكن للمسؤولين أن يتساموا فوق خلافاتهم، أو يحترموا المنصب الذي يشغلونه، أو حتى يحترموا قدسية المكان والمناسبة.. ويبقى السؤال معلقًا: من يحاسب هؤلاء؟ ومن يعيد للمؤسسات هيبتها؟













