منذ تولي حكومة الدكتور مصطفى مدبولي مهامها في يونيو 2018، و الشعب المصري يحمل على عاتقه أعباء ما يُطلق عليه «القرارات الصعبة».
والواقع أن هذه القرارات – وإن كانت نابعة من نية إصلاحية – فقد أثقلت كاهل المواطن، وفرضت عليه نمط حياة لم يعهده من قبل.
لسنا من أصحاب النظرة السوداوية، ولا ممن يهونون الجهد المبذول، فهناك جهود مشهودة في مشروعات قومية كبرى وبنية تحتية ضخمة. ولكن، حين تصبح كلفة هذه النجاحات متزايدة على حساب معيشة الناس، فلا بد من التوقف والمراجعة.
عموما على مدار سنوات حكومة مدبولي فإننا نحتكم إلى لغة الأرقام التي لا تعرف الكذب.. في عام 2018 كان الدولار يساوي نحو 17.8 جنيهًا. اليوم تجاوز 50 جنيهًا.
أسعار الوقود والغذاء والخدمات تضاعفت، فيما لم تواكب الرواتب هذه الطفرات، حتى مع رفع الحد الأدنى للأجور.
قد يرى البعض أن هذه ظواهر طبيعية في ظل إصلاح اقتصادي، لكن الفجوة بين الأجور والتكاليف أصبحت لا تُحتمل، خاصة للطبقة المتوسطة التي تآكلت تدريجيًا، وأصبحت اليوم تبحث عن البقاء لا الرفاهية.
ملفات التعليم والصحة تمثل العمود الفقري لرضا المواطن عن حكومته، وهما أكثر ما يعاني منه الناس حاليًا.
التعليم، لا تزال الكثافات في الفصول، والمناهج الجامدة، واعتماد الأسر على الدروس الخصوصية، هي السمات السائدة.
الصحة، المبادرات الكبرى لم تمنع معاناة المواطنين من نقص الأطباء والدواء، ورداءة الخدمة في كثير من المستشفيات العامة.
المواصلات، هناك تطور ملحوظ في مشروعات البنية مثل المترو والقطار الكهربائي، لكن أسعارها أصبحت عبئًا على المستخدمين، خصوصًا من محدودي الدخل.
الملاحظة الأبرز في حكومة مدبولي، هي استمرار عدد من الوزراء لفترات طويلة دون تغيير أو تقييم حقيقي لأدائهم.
في كثير من دول العالم، الوزير يُقيم سنويًا، ويغادر منصبه إذا لم يحقق أهدافه. أما في مصر، فكأن الوزير يملك توكيلًا مفتوحًا بالاستمرار، حتى لو لم يشعر المواطن بأي تحسن في الملف الذي يديره.
لماذا لا يطبق مبدأ المدة المحددة للوزير؟ ولماذا لا يفتح الباب أمام كفاءات جديدة وأفكار مختلفة تواكب المرحلة؟
الرئيس عبد الفتاح السيسي يطرح رؤية تنموية شاملة، ويبذل جهدًا ملموسًا في إعادة بناء الدولة. لكن هذه الرؤية لا تُترجم إلى نتائج مؤثرة في حياة المواطن إلا عبر حكومة تجيد التنفيذ، وتُحسن التواصل، وتبتكر الحلول.
نحن بحاجة إلى حكومة تفكّر خارج الصندوق، تتفاعل مع الناس لا تُلقي عليهم الأوامر من أعلى، وتكون على قدر من الشفافية يسمح ببناء الثقة من جديد.
باختصار.. الشعب المصري لا يطلب المستحيل. فقط يريد من يحترم وعيه، ويشعر به، ويكاشفه بالحقيقة.
المصالحة الحقيقية تبدأ من المكاشفة، ومن تقييم السياسات بشجاعة، ومن الاعتراف بالأخطاء لا الالتفاف حولها.
الصلح خير يا حكومة، وربما تكون البداية من قرار شجاع بإعادة النظر في كل ما يمس المواطن بشكل مباشر، وإعادة ترتيب الأولويات، وتوسيع دائرة المشاركة في القرار.. الوطن أكبر من الجميع.. و الشعب يستحق الأفضل.













