في تطور خطير لا يمكن فصله عن مسار التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط، وجهت الولايات المتحدة الأمريكية ضربة عسكرية لثلاث منشآت نووية إيرانية، مدعية أنها خطوة «احترازية» لردع طهران عن المضي قدمًا في مشروعها النووي.
لكن المتابع الحقيقي يفهم أن ما حدث ليس إلا حلقة جديدة في مسلسل الدعم الأمريكي الأعمى لإسرائيل، مهما كانت العواقب، ومهما اشتعلت النيران في المنطقة.
واشنطن، التي اعتادت تقديم نفسها كراعية للاستقرار في الشرق الأوسط، تمارس الآن عكس ما تدعيه تمامًا، فالضربة الأخيرة، إلى جانب كونها تمثل انتهاكًا صارخًا للسيادة الإيرانية، فإنها تفتح الباب أمام ردود فعل غير محسوبة، وربما اشتعال حرب إقليمية شاملة، تدفع ثمنها شعوب المنطقة لا الساسة في واشنطن أو تل أبيب.
ليست الضربة الأمريكية بعيدة عن التنسيق مع إسرائيل، التي شنت مؤخرًا هجمات ممنهجة على الأراضي السورية واللبنانية، ولا تزال تغرق في عدوانها على غزة.
إسرائيل، التي تسعى لتوريط واشنطن أكثر فأكثر في صراعها مع إيران، تجد في كل صاروخ أمريكي غطاءً جديدًا لمزيد من القتل والتوسع والتدمير.
لم تكتفِ واشنطن بتقديم الغطاء السياسي والدبلوماسي لتل أبيب، بل باتت الآن تنفذ المهام القذرة عسكريًا أيضًا، مستغلة الصمت الدولي وتواطؤ بعض الأنظمة الإقليمية، التي فقدت بوصلتها القومية.
اللافت أن كل هذه التحركات تتم تحت ذريعة الحفاظ على «استقرار المنطقة»، فهل يُعقل أن يكون قصف منشآت نووية، وسط توتر غير مسبوق، هو طريق السلام؟ أم أن المقصود هو فرض الأمر الواقع بالقوة، وتكريس الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية على حساب شعوب المنطقة؟
من حق إيران، كما غيرها من الدول، أن تمتلك برنامجًا نوويًا سلميًا، في إطار القانون الدولي وتحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.. أما منطق الغطرسة والضربات الاستباقية، فهو ما جرّ على العالم مآسي أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا.
في خضم التصعيد، لم تقف القوى الكبرى صامتة أمام الضربة الأمريكية، بل سارعت كل من روسيا، الصين، وباكستان إلى توجيه تحذيرات شديدة اللهجة لواشنطن من مغبة التمادي في استهداف إيران.
موسكو أكدت أن أي اعتداء أمريكي على الأراضي الإيرانية سيُعتبر تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي، وأنها «لن تقف مكتوفة الأيدي أمام زعزعة الاستقرار على حدودها الاستراتيجية».
الصين، الحليف الاقتصادي والسياسي لطهران، فقد نددت بالهجوم بوصفه خرقًا سافرًا للقانون الدولي، محذّرة من أن أمن الطاقة العالمية سيكون في مهب الريح إذا ما اشتعلت المنطقة.
الأخطر جاء من إسلام آباد، التي أعلنت أن «أي عدوان شامل على إيران سيقابل برد منسّق»، مؤكدة أن أمن إيران جزء لا يتجزأ من الأمن الإسلامي الإقليمي.
وهذه المواقف تؤشر بوضوح إلى أن المعركة، إن اندلعت، لن تبقى ثنائية بين واشنطن وطهران، بل ستفتح جبهة دولية شاملة قد تُغرق المنطقة والعالم في دوامة صراع ممتد.
هذه التحذيرات الصادرة عن روسيا والصين وباكستان لا تنبع فقط من حرصها على استقرار حليف استراتيجي كإيران، بل تعكس أيضًا تحولًا جوهريًا في ميزان القوى العالمي، ورفضًا متصاعدًا لهيمنة القطب الأمريكي الواحد.
العالم لم يعد مستعدًا للقبول بسياسات الأمر الواقع التي تفرضها واشنطن بالقوة، وإذا مضت أمريكا في هذا المسار التصادمي، فإنها لن تواجه دولة واحدة، بل تكتلاً دوليًا رافضًا للهيمنة والإملاءات.
لقد بات واضحًا أن النظام الدولي، الذي نشأ بعد الحرب الباردة، يدخل اليوم مرحلة تفكك متسارع، تدفعه إليها الحروب غير المبررة، والاصطفافات العمياء، والانحياز الأمريكي الفجّ لإسرائيل على حساب القانون الدولي.
والسؤال الذي يجب أن يطرحه العالم الآن: هل نحن أمام بداية نظام عالمي جديد، تتعدد فيه الأقطاب وتُحترم فيه السيادات، أم أننا نندفع نحو حرب كبرى لا تبقي ولا تذر؟














