في مشهد يعيد تشكيل خرائط القوة والنفوذ في الشرق الأوسط، تخوض إيران حربًا غير تقليدية وحدها، في مواجهة إسرائيل ومن ورائها حلف دولي يمتد من قواعد أمريكية في العراق، إلى طائرات رافال فرنسية، ومقاتلات بريطانية، وصولًا إلى الدعم الاستخباراتي الذي لا تغيب عنه واشنطن، حرب تعتمد على السماء، حيث لا جنود على الأرض، بل صواريخ ومسيرات، وإلكترونيات وأقمار صناعية، وأهداف تُضرب من وراء البحار.
الصواريخ الإسرائيلية تشق طريقها في أجواء مفتوحة، لا يعترضها أحد، ولا تردها دفاعات، إلا إذا بلغت عمق إيران، وعلى العكس، تبدو الصواريخ الإيرانية كأنها تمارس الأكروبات في الهواء، تراوغ وتناور، وتغير المسارات، وتتجنب الرادارات، حتى تصل إلى تل أبيب.
مشهد تكنولوجي-عسكري بامتياز، لكنه يعكس ميزان قوى مختلاً، تتفوق فيه إسرائيل بعدوانيتها، وتتفوق فيه إيران بصمودها ومناوراتها.
حرب اليوم ليست فقط بين طهران وتل أبيب، بل هي بين محور يريد فرض الهيمنة بالقوة، وآخر يرد على تلك القوة بما يمتلكه من عزيمة ووسائل صلبة، في كل مرة تتعرض فيها إيران لضربة، تنهض وترد – ليس فقط دفاعًا عن نفسها، بل عن رمزية باتت تعني الكثير لشعوب عربية وإسلامية، ترى فيها نموذجًا للممانعة رغم الاختلافات.
أما القبة الحديدية التي تتغنى بها إسرائيل، فليست سوى طبقة رقيقة من الوهم في وجه سيل من الصواريخ الدقيقة، أثبتت الأيام أن الكثافة والتخطيط قادران على اختراقها، ومع كل تصعيد، تتكشف حقيقة واحدة: لا أمن مطلق في تل أبيب، ولا قدرة على إنهاء المعركة من طرف واحد.
إيران تخوض هذه الحرب وحدها، نعم، لكنها ليست وحيدة في المعنى السياسي والأخلاقي، الشعوب التي تراقب هذه المعركة من بغداد إلى بيروت، ومن صنعاء إلى غزة، ترى أن المعركة تتجاوز الجغرافيا، وتمتد إلى الكرامة الوطنية ورفض الخضوع.
في نهاية المطاف، السؤال الحقيقي ليس متى تنتهي هذه الحرب؟ بل أي شرق أوسط سيتشكل بعدها؟ هل هو شرق أوسط جديد كما أرادته أمريكا وإسرائيل؟ أم شرق تتحدد فيه الموازين بفعل الصواريخ لا التصريحات، والمقاومة لا المؤتمرات؟














