جلست بجوار فؤاد باشا سراج الدين، آخر سكرتير عام لحزب الوفد قبل ثورة 1952، وهو الرجل الذي أعاد الحزب إلى الحياة السياسية بعد انقطاع.
خلال جلوسي معه، استمعت إلى العديد من الحكايات عن أحداث وشخصيات مرت على الساحة، لكنه كان يذكر الجميع باحترام بالغ مهما كان موقفهم، حتى عندما كان البعض يمزح معي أمامه قائلين: «ناصرِي يا باشا»، كان رده دائماً عن عبد الناصر أنه وطني لم تُعرف عنه يوماً شبهة اختلاس أو مصلحة شخصية، وأنه اجتهد ويكفيه شرف المحاولة.
لاحظت أيضاً بعض الباحثين الذين كانوا يترددون عليه يسألونه عن أحداث أو قرارات معينة، كان يجيبهم بصدق وأمانة دون أن يملي عليهم رأياً شخصياً أو يقدم وجهة نظره الخاصة، حتى لو كان طرفاً في هذه الأحداث.
فهو كان ينظر لنفسه كشاهد فقط، وليس كصانع للأحداث، رغم كونه كذلك في كثير من المواقف، لم يكن يميل إلى الحديث عن دوره باعتباره محركاً رئيسياً للأحداث، بل كان يقدم صورة حيادية تجسد الحقائق وتبرز أبطال تلك اللحظات التاريخية دون تحيز.
ما أثار دهشتي هو أنه لم يكتب مذكراته، على عكس كثيرين كتبوا وسردوا أدوارهم دون أي دليل أو تحقيق للتاريخ، ربما كان من نوع الرجال الذين يفضلون أن يتولى التاريخ بنفسه كتابة قصتهم، دون تدخل منهم أو محاولة لتجميلها.
هذا النوع من الأشخاص يشبه الزهور التي قد تسحقها الأيام، لكنها تترك عبيرها عالقاً في الأذهان، رائحة لا تزول مهما مر عليها الزمن.














