تسعى إثيوبيا إلى فرض الأمر الواقع، وكأن نهر النيل فرع صغير من أنهارها السيادية، وكأن مصر بلد بلا ذاكرة ولا أنياب، أو كأن النيل لم يُخلق ليجري في عروقها منذ فجر التاريخ.
إن صمت مصر، ليس ضعفًا، بل حِلم الكبار، ومن يظن أن هذا الصبر مفتوح إلى ما لا نهاية، يُراهن على وهم.
منذ أن وضعت إثيوبيا حجر الأساس لسد النهضة عام 2011، ومصر تسير في طريق طويل من الصبر والدبلوماسية والمفاوضات، تارة على طاولة الاتحاد الإفريقي، وتارة في أروقة الأمم المتحدة، وتارة في غرف مغلقة خلف الكواليس.
التفاوض لم ينتهي إلى شيء، سوى أن أديس أبابا تملأ الخزان، ومصر تملأ بياناتها بالتحذير، مرة بعد أخرى.
إن ما يحدث الآن لم يعد مجرد أزمة مائية، بل تحول استراتيجي في معادلة الأمن القومي المصري، كل متر مكعب يختزن خلف جدار السد دون تنسيق أو اتفاق، هو خصم مباشر من حصة مصر، ومن حقها التاريخي، ومن حاضرها ومستقبلها.
ما فعلته إثيوبيا حتى الآن ليس فقط تهديدًا لحصة مصر المائية، بل اعتداء مباشر على أمنها القومي، وعلى استقرار المنطقة برمتها.
فمَن يمنع الماء عن شعب تجاوز الـ 100 مليون نسمة، يتعمد خنقه ببطء، ومن يتعامل مع نهر دولي كأنه بحيرة خاصة، يفتح بابًا لحروب لا أحد يستطيع إغلاقه.
إن مصر، بشعبها وجيشها ومؤسساتها، لا يمكن أن تقبل بهذا الاستفزاز المستمر.
ولا يمكن أن تُختزل هذه القضية في لجان أو بيانات أو دعوات لـ«التهدئة».
والمفارقة أن سد النهضة لم يكن ليبني أصلًا دون أموال خليجية وصمت دولي وتواطؤ ناعم من قوى كبرى أرادت لمصر أن تنشغل بمياهها بدل أن تنشغل بمكانتها.
لقد أدركت مصر، أن المفاوضات التي كانت تراهن على حسن النوايا، أصبحت مجرد ديكور سياسي تستخدمه إثيوبيا لاستهلاك الوقت، حتى تكتمل مراحل المشروع، ثم تُغلق الباب بعبارة مهذبة: «الأمر بات واقعًا».
وهنا نطرح السؤال دون تردد: هل نحن أمام أزمة إدارة، أم أزمة تقدير، أم أزمة توازن قوى؟
الأمن المائي المصري ليس قضية فنية، ولا مسألة تفاوضية، بل ركيزة وجودية، والمطلوب اليوم ليس خطابًا دبلوماسيًا ناعمًا، بل موقفًا واضحًا يعيد تعريف «الخط الأحمر» ليس بالكلمات، بل بالأفعال.
نحن لا ندعو إلى الحرب، ولكننا نرفض الاستنزاف الناعم، نحن لا نبحث عن الصدام، ولكننا لا نقبل أن يُملى علينا المصير من وراء السدود.
الخيارات أمام الدولة المصرية ليست سهلة، ولكنها واضحة:
– تدويل قضية سد النهضة بآلية جديدة، أكثر حدة وجرأة.
– تصعيد سياسي مدروس، يُشعر إثيوبيا أن مصر تملك أوراق ردع لا تُستعمل إلا عند الضرورة.
– استثمار في الجبهة الداخلية، فالمعركة الحقيقية تبدأ من الوعي الشعبي ومن ترشيد الموارد، ولكنها لا تنتهي هناك.
إن صمت الشعوب ليس علامة رضا، وصبر الدول لا يعني أنها عاجزة، لقد صبرت مصر كثيرًا، وآن الأوان لتعيد رسم قواعد الاشتباك السياسي والدبلوماسي.
الماء ليس مجرد مورد طبيعي، الماء في مصر هو مسألة وجود.
هذه ليست معركة مياه فقط، إنها معركة على الكرامة، والسيادة، والهيبة، والحق الذي لا يسقط بالتقادم.
وعلينا أن نقولها بملء الفم: من يحاصر نيل مصر.. سيُحاصر بلاده بالندم.












