في خضم المشهد العربي المرتبك، تخرج علينا بين الفينة والأخرى أصوات – تدّعي الانتماء إلى النخبة السياسية أو الثقافية أو الفكرية – تُلقي على الإخوان المسلمين أو حركة حماس كل تهمة متاحة: من إثارة الفوضى إلى تفجير الاستقرار، إلى تنظيم مظاهرات مشبوهة كما قيل عن الوقفة الأخيرة في تل أبيب!
هل حقًا هناك من يصدق أن جماعة معارضة، تصنَّف كـ«إرهابية» في معظم الدول العربية، هي من نظّمت مظاهرة أمام السفارة المصرية في قلب دولة الاحتلال؟ أليس من السذاجة – أو التضليل المتعمّد – أن يُروَّج لمثل هذا السيناريو الركيك؟ هل هناك مجرم ينتقم من نظام يراه ظالمًا بالتظاهر دعماً له أمام أعدائه؟!
في السياسة كما في الحرب، أسوأ ما يمكن أن يصيبك هو فقدان البوصلة. أن تجهّل العدو الحقيقي، وتخترع خصمًا داخليًا وهميًا، فترهق نفسك في محاربته بينما العدو الحقيقي يحصد الأرض والوعي.
ما يحدث اليوم من تحميل جماعة الإخوان المسلمين – وحماس ضمنًا – وزر كل ما يحدث في العالم العربي، هو في جوهره هروب إلى الأمام، هروب من الاعتراف بفشل الأنظمة، وانبطاح النخب، وتآكل المشروع العربي الجامع، وهروب من الإجابة عن سؤال: من الذي يقتل الفلسطينيين في غزة؟ من الذي يكرّس الحصار؟ من الذي يدعم إبادة شعب بأكمله؟ هل هي حماس؟ أم من يصمت أو يبرر أو ينسّق؟
حين يكون الإخوان أكثر اتزانًا من نخب النفاق
يمكن أن تختلف مع جماعة الإخوان سياسيًا، أو حتى فكريًا، وأن ترفض بعض توجهاتهم أو خطابهم، وهذا طبيعي في ساحة العمل العام، لكن أن تُحمّلهم مسؤولية كل ما يحدث، من فشل اقتصادي، إلى انسداد سياسي، إلى تظاهرة في تل أبيب، فهو نوع من الغباء السياسي والاستهبال الجماهيري.
بل يمكن القول إن الإخوان، وحماس خاصة، يتعاملون اليوم بمنتهى الاتزان، خليل الحية، القيادي في حماس، حين تحدث من قطر، وجّه خطابه إلى مصر، مخاطبًا الدولة الكبرى في المنطقة بأن تتحرك لوقف المجزرة في غزة، لم يشتم، لم يتطاول، لم يهدد، بل عبّر عن الأمل في أن تكون مصر هي صاحبة الموقف الحاسم. فما الذي أثار جنون النخب؟
هل لأن الحقيقة موجعة؟ هل لأن الرجل قال ما لا يجرؤ الكثيرون على قوله؟ هل لأن المقاومة لا تزال تصرّ على أن مصر – رغم كل شيء – تظل الرقم الصعب والبوابة الحاسمة؟ يبدو أن ذلك أقضّ مضاجع البعض، فاختاروا الهروب إلى مربع الشيطنة، كعادتهم.
كلما اقتربت الشعوب من إدراك أن حماس – بما تمثله من امتداد إخواني – هي خط الدفاع الأخير عن كرامة الأمة، اشتدت الحملة عليها. لأن الأنظمة فشلت في إضعافها عسكريًا، فاختارت أن تشوّهها إعلاميًا، وأن تستعدي عليها الرأي العام.
الهجوم الكاسح، المنظّم، المتزامن، الذي تتولاه حكومات وصحف ومذيعون و”مفكرون” ضد حماس والإخوان، لا يعبّر عن قوة هذه الأنظمة، بل عن ذعرها من تعاظم التأييد الشعبي لهم، خاصة مع كل جولة تصعيد في غزة، حيث تنكشف الأقنعة ويظهر من يقاتل، ومن يموّل ويهرول.
حماس ليست عدونا… والإخوان ليسوا الخطر
المعادلة بسيطة وواضحة: عدونا هو من يحتل، من يقتل، من يهدم البيوت فوق رؤوس النساء والأطفال.
عدونا هو من يُهوّد القدس، من يحاصر غزة، من يمنع المساعدات، من يحرق المزارع ويعتقل الأسرى.
أما من يقاوم – بغض النظر عن انتمائه السياسي أو الديني – فهو في خندقنا، شاء من شاء وأبى من أبى.
الإخوان المسلمون ليسوا ملائكة، ولديهم ما يُنتقد، لكنهم ليسوا هذا “الوحش” الذي تحاول النخب المهزومة صناعته. وهم بالتأكيد ليسوا المسؤولين عن تراجع التعليم، وفساد الإعلام، وعجز السياسات، واستبداد الأنظمة، وتفكك المجتمعات.
وأنا هنا اوجه الخطاب إلى النخب التي تضلل الشعوب وأقول لهم اتقوا الله .. واتقوا يوما ترجعون إليه وسيسألكم، كما أكد في كتابه وكأنه يصور المشهد ” وقوفهم إنهم مسئولون”
فقد آن أوان المكاشفة. وإلى أولئك الذين يلوون أعناق الحقائق، ويفبركون التهم، ويركضون خلف التعليمات الرسمية، ويضعون رؤوسهم في الرمال حين تتساقط القنابل على غزة: اتقوا الله في شعوبكم، واتقوا الله في تاريخكم.
ولا تكونوا أدوات في معركة تُخاض ضد من تبقى من أحرار هذه الأمة.
إن لم تكنوا في صف المقاومة، فلا تكونوا في صف الاحتلال.
وإن لم تستطيعوا قول الحق، فلا تساهموا في طمسه.
وإن لم تؤيدوا الإخوان، فلا تجعلوهم شماعة تعلقون عليها عجزكم وسقوطكم الأخلاقي.
التاريخ لا ينسى.
وغزة لن تغفر.
وحين يسقط القناع، لن يبقى لكم سوى عار الصمت أو خيانة الكلمة.













