لقد أحسن الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ خطوة إعادة مشروع قانون الإجراءات الجنائية إلى البرلمان لإعادة مناقشة بنوده ومعالجة ما شابه من قصور، يُعد هذا القانون الثاني الذي يعيده الرئيس إلى البرلمان خلال الفترة التشريعية الحالية، بعد قانون التجارب السريرية.
هذه الخطوة تبرز تفوق مستشاري الرئيس القانونيين من حيث الخبرة والحنكة على فرق المستشارين في الحكومة والبرلمان ولجان صياغة القوانين.
معركة تمرير مشروع قانون الإجراءات الجنائية كشفت عن تدخلات الأطراف ذات المصالح والاقتراحات التي تم تجاهلها، مما جعل صورة البرلمان الحالي أمام الرأي العام المصري بعيدة عن رضا الناس.
النواب الذين بالغوا في الإشادة بالقانون ووصفوه بالدستور الثاني لمصر، مهاجمين كل من انتقده، عادوا لاحقاً ليثنوا على إعادة المشروع إلى البرلمان والملحوظات التي أوردتها رئاسة الجمهورية.
هذه الملحوظات تناولت قضايا مثل الحبس الاحتياطي، العقوبات البديلة، حقوق المتهم، حرمة المسكن والحياة الخاصة، بالإضافة إلى الصياغة الهزيلة لبعض مواد القانون والتي تضمنت عبارات فضفاضة تفتقر إلى الوضوح التشريعي.
البرلمان لديه الآن فرصة لتحسين صورته أمام الرأي العام، خصوصاً مع اقتراب إعلان مواعيد الانتخابات وبدء التحضيرات لها، بما في ذلك تقديم الترشيحات والحملات الانتخابية.
أعضاء البرلمان الراغبون بالترشح مجدداً مطالبون بإثبات جدارتهم بالثقة الشعبية، كما يُفضل أن تكون الانتخابات القادمة تنافسية مع وجود أكثر من قائمة ليتمكن الناخبون من الاختيار بحرية، بخلاف نمط انتخابات مجلس الشيوخ.
من ناحية أخرى، البرلمان ترك قوانين معلّقة دون تفعيل منذ سنوات، مثل قانون حماية البيانات الشخصية الصادر عام 2020 الذي لم تُصدر لائحته التنفيذية حتى الآن ليبدأ العمل به.
كان الأجدر بالبرلمان أن يُلزم بتنفيذ القانون مباشرة دون الحاجة للائحة، خاصة مع عجز الحكومة عن إصدارها طوال خمس سنوات.
التسرع في إصدار القوانين دون دراسة كافية أو ضرورة ملحة يربك المجتمع ويجعل التشريع يبدو كأداة للتقييد أو الانتقام لتصفية حسابات مع أفراد أو جهات معينة قد تُعارض السلطة التنفيذية، مثل هذه الظواهر ليست جديدة، إذ شهدنا خلال حقبة الرئيس مبارك قوانين تخدم مصالح أفراد محددين أو تُبقيهم في مناصبهم، ما أدى إلى استياء شعبي كان أحد أسباب ثورة 25 يناير 2011.
القوانين يجب أن تُسن لتنظيم حياة الناس دون تمييز، لحماية الحريات وضمان ممارسة الحقوق مع تعزيز قيم المساواة والعدل، أي تشريع يجب أن يكون واضحاً ودقيقاً وموجّهاً لتحقيق الإنصاف بين أبناء الوطن.
على النقيض، لا ينبغي للقوانين أن تُصمم لحماية السلطة أو موظفيها من المحاسبة أو اعتبار المواطن متهمًا حتى يثبت براءته، ولا أن تُشرّع لتكميم الحريات بدلاً من محاربة المجرمين.
ما يحتاجه الناس اليوم هو قانون إجراءات جنائية يحمي حقوقهم ويكبح تغوّل السلطات ويمثّل مبدأ سيادة القانون والمساواة بين الجميع، ليكون ضامنًا للعدالة ومتسقًا مع روح الديمقراطية. البرلمان أمام فرصة تاريخية ليحقق ذلك ويعزز الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة.














