أعود مجددا هذا الصباح لأكتب عن الصالحين والمصلحين، عن تلك المسافة الخفية التي تفصل بين من أصلح نفسه، ومن حمل على كتفيه همّ إصلاح الناس.
الصالحون محبوبون، يُشار إليهم بالبَنان، وتُشاد لهم المنابر، ويُذكرون في المجالس بالخير والرضا.
هؤلاء الذين يجتهدون في العبادة، ويُزينون بيوتهم بالذكر، ويزرعون في محيطهم الطهر والسكينة.
هم ملح الأرض في صمتها، وسراجها في عتمتها، لكن صلاحهم غالبًا ما يقف عند حدود ذواتهم ومن حولهم.
أما المصلحون، فهم أولئك الذين لا يكتفون بأن يكونوا طيبين، بل يريدون للعالم أن يكون طيبًا مثلهم — وهنا تبدأ المعركة.
المصلح لا يرضى أن يرى الظلم فيسكت، ولا أن يُغتال الوعي فيلوذ بالصمت، ولا أن تُستعبد العقول باسم الطاعة فيغضّ الطرف.
المصلح هو ضمير الأمة حين تغفو، وصوتها حين تُكمَّم أفواهها، وذاك الذي يدفع ثمن النور في زمنٍ يُكرّم فيه الظلام.
ولذلك، فالمصلحون في كل العصور مكروهون من السلطان، مُطارَدون من أجهزة القوة، مُتهمون دائمًا بإثارة الفتنة، فقط لأنهم تجرّأوا على قول الحقيقة.
الناس — بطبعهم — يعشقون الصالحين، لأنهم لا يُهددون نظامًا، ولا يُغيّرون واقعًا، بل يُسكّنون الألم بذكر الله والدعاء.
أما المصلحون فيوقظون الضمائر، ويحرّكون السواكن، ويقلبون الموازين؛ ولهذا يخشاهم الطغاة كما يخشى الظلامُ أول شعاع فجر.
الإصلاح أثقل من الصلاح، لأنه طريق محفوف بالأشواك، لا يسلكه إلا من ألقى الدنيا خلف ظهره.
الأنبياء كانوا مصلحين، لا متعبّدين فحسب؛ قالوا للجبابرة «كلا»، وهتفوا في وجه الزيف «هذا باطل»، فحُوربوا وسُجنوا وقُوتلوا.
لكن التاريخ — كعادته — أنصفهم بعد موتهم، وجعل من دمائهم مدادًا لبقاء الأمم.
والأمم التي تُكرّم الصالحين وتخشى المصلحين، إنما تختار «النوم في العسل» على حساب النهضة، وتُفضّل الطاعة على الوعي، والسلامة على الكرامة.
فالصالحون يريحون السلطة، والمصلحون يُربكونها؛ لأنهم يعلّمون الناس أن الله أعلى من كل حاكم، وأن العدالة لا تُفصَّل على مقاس السلطان.
وهكذا، يظل الصالح محبوبًا من الأرض، والمصلح محبوبًا من السماء.
الأول يعيش في رضا الناس، قريبا من الله والثاني يعيش في رضا الله.
الأول يُشيّعه المديح، والثاني تُشيّعه الحقيقة.
فيا رب، اجعلنا من الذين إذا صلحوا أصلحوا، وإذا أنكروا صمتَ الباطل، وإذا نُفوا عن الأرض وسِيرتهم فيها الرياح، سكنت أرواحهم في ظلك القريب.














