في سنوات الدراسة بكلية الطب وبعد ان سكنت المدينة الجامعية بعد معاناة شديدة وكنا وقتها تحت الاحتلال الاسرائيلي ونقيم صيفا وشتاء بها وفي ايام الامتحانات تكون المدينة الجامعية اشبه بالسجون الانفرادية وكان الزملاء معظمهم ينام ليلة الامتحان ويترك ورقة على الباب برجاء ايقاظي الساعة كذا او لصلاة الفجر و يظل يسترجع اوراقه حتى وقت النزول للامتحان الا العبد لله كان دائما عندي هاجس أنني لو نمت ربما أصحى بعد وقت الامتحان.
فقد اضع ورقة على الباب «رجاء ايقاظي الساعة كذا» وتطير او يطرق الباب علي احد الزملاء فأكون مستغرقا في النوم فلا ارد عليه فيمل ويمضي وخاصة انه ليس بالضرورة ان يكون في نفس السنة ولا يعلم اني ذاهب لامتحان.
فلم أحاول يوما ان انام بل اظل ساهرا حتى أذهب واؤدي الامتحان وأعود بعدها لأنام وكان هذا يؤثر علي في كثير من الأحيان فأدخل الامتحان اقاوم النوم او الصداع او حتى مشوش الافكار والتركيز يكون أقل وبرغم علمي بذلك الا انني دائما اخشى ان انام لدرجة انني سقطت على السلالم وانا ذاهب الى امتحان الطفيليات لاني شعرت بدوخة مفاجئة ولكني اكملت طريقي واديت الامتحان.
واتذكر انني غفوت في لجنة الشفوي قبل دخول اللجنة واحسست ان كهربة الدماغ قد فصلت فافقت وكأني نمت قسطا طويلا وليس برهة وكانت اروع لجنة في حياتي حيث اجبت كأني قد هضمت مادة الباثولوجيا «علم الامراض» وقلت لنفسي محدثا ياسلام ياواد ياصلاح لو كل امتحان تأخذني غفوة كدة يبقى الامتياز مضمون.
وهناك فرق ان تكون نائم في بيتك والاسرة كلها تعرف ان امتحانك غدا الساعة كذا والست الوالدة صاحية من الفجر تدعيلك وتحضرلك الافطار وكوب اللبن الدافئ والوالد استيقظ لتوصيلك بسيارته فعلاما تقلق، نم قرير العين وهناك عيون يقظة تنتظرك.
وكم كنت ارى الزملاء والزميلات يجلسون في سيارة ماما او بابا يسترجعون الصفحات الاخيرة وانا في ملكوت اخر احاول تجميع شتات افكاري لادخل اؤدي المهمة لأعود الى سريري واكتب على باب غرفتي رجاء عدم الازعاج.
ولأن في ايام الطب الحالكة في ذاك الزمن الغابر حيث كان تصوير المستندات من عجائب الدنيا السبع وحتى من فتح الله عليهم بالدروس الخصوصية التي لم يكن يقدر عليها امثالنا من ارباب المدن الجامعية كانت الكتابة على ورق الكربون وكل طالب يأخذ نسخة في نهاية الحصة الى ان ظهر علم التصوير ونحن قد قاربنا على البكالوريوس .
ولأن الامتحانات كانت كابوسا مزعجا فنحن نمتحن شفوي وده كفيل في حد ذاته حكاية ممكن ترفعك للسماء وممكن تخسف بك الارض… وتحريري واكلنيكي ومعامل وتشريح وصح وغلط ومحطات على الميكروسكوبات.. وعلى المرضى وبدون مرضى وفي الشتاء واحيانا في الصيف وبالبدلة والكرافتة خانقاك والعرق يتصبب او بالبالطو الابيض وشايل شنطة فيها السماعة وجهاز الضغط ومطرقة ومازورة ودبابيس وجوانتيات وكل الناس بتصييف وانت بتدرس او بتمتحن او بتلف على زملاءك تبحث عن مذكرات .
فكنت احيانا احلم بالامتحان في اوقات ليس فيها امتحانات واصحى مفزوع لان الامتحان فاتني…ولا اظن ان هذا كان حالي انا فقط اعتقد معظم طلبة الطب في وقتنا كانوا مثلي الا ما رحم ربي… اما ان يكون جبلة او ان يكون واثق من نفسه زيادة عن اللزوم ومتوصي عليه في كل المواد وواخد دروس في كل حاجة وحد ساقيه الكتب بالمعلقة وهيتعين معيد هيتعين رضيت ام لم ترضى وما اكثرهم في دفعتي التي حوت ما يربو على المائة من ابناء الاساتذه ناهيك عن اللي عمه او خاله استاذ او وزير او رئيس جامعة او او الى اخره.
كل هذا له حسابات وخاصة ان التحريري لا يشكل نسبة كبيرة من الدرجات والباقي في الاشكال الاخرى من الامتحان التي يجوز فيها التوصية، الحمدلله ان شكل وطريقة واسلوب الامتحانات قد تطور كثيرا الان فمعظمها لا يعتمد على العامل البشري، ولكن يبقى للامتحان رهبته علشان تعيش وتحكي عن ايام لاتمحيها كل مكاسب الطب التي اصبحت الآن في مقاعد الترسو.













