كل عام دراسي جديد نسمع ذات الجملة المكررة: «التعليم أولويتنا القصوى».. جميل! لكن يبدو أن الأولوية الوحيدة هي لتصوير الوزير وهو يفتتح مدرسة جديدة، يقطع الشريط الأحمر، ثم يرحل، تاركًا خلفه مدارس من ورق، جميلة في الصور، هشة في الحقيقة.
في مصر، التعليم المجاني لا يُكلّفك شيئًا.. سوى بيع نصف أثاث بيتك للدروس الخصوصية.
المناهج كالجبال، والفصول كالعلب، والمعلم كالشمعة التي تحترق ليضيء ظلام الجهل، بينما الوزارة تبحث عن «آلية» لتطوير التعليم عن بُعد.. رغم أن بعض المدارس لا تملك «فيشة كهرباء» من الأساس!
المعلم المصري هو الكائن الوحيد الذي يُطلب منه أن يُدرس، ويُربي، ويُطور، ويبتسم.. براتب لا يكفي لشراء كراسة «قواعد نحوية».
ثم يسأله المسؤول في نهاية العام: «لماذا انخفض مستوى الطلاب؟» ربما لأن المعلم يشرح بمنهج من القرن الماضي ومرتب من العصور الحجرية!
عند افتتاح أي مدرسة جديدة، تتسابق الكاميرات، تُقصّ الشرائط، وتُوزع الابتسامات.
لكن أول مطر في الشتاء كفيل بتحويل المدرسة إلى «حمّام سباحة تعليمي».
نعم، مدارسنا تتعلم السباحة قبل طلابها.
وإذا سقط السقف، فالبيان الرسمي جاهز: «حادث عارض، ولا إصابات»!
وكأن المشكلة ليست أن السقف سقط، بل أن أحدهم تجرأ على النجاة!
حين قال طه حسين إن «التعليم كالماء والهواء»، كان يؤمن أن المعرفة حق إنساني، لا سلعة تُباع في السناتر.
اليوم، في زمن الوزير محمد عبد اللطيف، صار التعليم كالكهرباء في الصيف مقطوع أغلب الوقت، ومكلف عند الاستخدام!
تبدلت الفكرة من حق لكل طفل إلى عبء على كل أسرة، ومن رسالة تنوير إلى مشروع تجاري منظم باسم «تطوير المناهج».
طه حسين حلم بمواطن يقرأ ويفكر، أما منظومتنا الحالية فصنعت طالبًا يحفظ ليُنسى، ويدفع ليُقال إنه متعلم.
بين زمنين ضاعت المجانية، وضاع معها ضمير التعليم، لتتحول المدرسة من منارة للوعي إلى فاتورة شهرية تثقل جيب المواطن.
المضحك المبكي أن كل عام تُعلن الوزارة «خطة تطوير المناهج» وكأن المشكلة في الكتب، لا في النظام بأكمله.
نبدّل الغلاف، نغير الشعار، ونضيف كلمة «رقمي» لكل مشروع.
أما الحقيقة فهي أن المدرسة أصبحت مسرحًا كبيرًا، والطلاب مجرد كومبارس في مشهد عبثي اسمه «العملية التعليمية».
التعليم في مصر لا يحتاج لجدار جديد من الطوب، بل لجدار من الصدق.
فالأمم لا تبنى بالدهان ولا باللافتات، بل بعقول تفكر ومدارس تعلّم لا «تتجمّل».
قبل أن نرفع الشعارات الجوفاء، فلنرفع أولًا سقف الفصل، ثم سقف العقل!














