يعيش السودان واحدة من أعقد أزماته الحديثة، حيث تحول الذهب من مورد اقتصادي واعد إلى عنصر جوهري في تغذية الصراع الدائر منذ عام 2023 فبدلاً من أن يكون هذا المعدن ركيزة لنهضة اقتصادية، أصبح ورقة قوة تُستخدم لتمويل الأطراف المتحاربة، وتثبيت نفوذها، وإطالة أمد الحرب.
منذ اللحظة التي انطلقت فيها المواجهات بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، برزت مناطق التعدين كأهداف عسكرية واقتصادية في آن واحد، فالمناجم، خصوصاً في دارفور ونهر النيل وشمال كردفان، توفر سيولة فورية تمكن أي طرف من شراء الإمدادات العسكرية خلال أيام، وربما ساعات، وهكذا صار التحكم في الذهب مسألة تتجاوز الاقتصاد لتصبح جزءاً من ميزان القوة السياسي.
ورغم أن السودان يمتلك واحداً من أكبر قطاعات إنتاج الذهب في المنطقة، فإن الدولة لا تحصل سوى على نسبة محدودة من العائدات الحقيقية، فشبكات التهريب الواسعة، الممتدة عبر الحدود، تصنع اقتصاداً موازياً تتداخل فيه مصالح تجارية وعسكرية، وتعمل بمعزل عن أي رقابة رسمية.
بمرور الوقت، تحولت هذه الشبكات إلى منظومة مالية متكاملة تدعم استمرار الحرب وتُضعف قدرة الحكومة على بسط سلطتها.
ولا يقف أثر الذهب عند حدود الصراع العسكري؛ فالتعدين العشوائي ترك آثاراً بيئية واجتماعية مدمرة، حيث تسببت المواد السامة المستخدمة في الاستخراج، مثل الزئبق والسيانيد، تسببت في تلويث مصادر المياه وتهديد صحة المجتمعات الريفية، كما أدت المنافسة على مناطق التعدين إلى خلق بؤر توتر قبلي، في ظل غياب أي دور حكومي فعّال لحماية السكان أو تنظيم النشاط الاقتصادي.
ومع مرور الوقت، بات الذهب عاملاً في تفكك الدولة نفسها، فمن خلاله تنشأ سلطة محلية هنا، ونفوذ مسلح هناك، حتى أصبح مركز القرار الاقتصادي بعيداً عن الحكومة المركزية، وكلما ازداد الاعتماد على الذهب كمصدر أساسي للتمويل، ازدادت هشاشة الدولة وتقلصت قدرتها على ضبط مواردها الطبيعية.
رغم الصورة القاتمة، لا يزال بالإمكان تحويل الذهب إلى قوة استقرار بدلا من كونه محفزا للصراع، يتطلب ذلك إدارة مختلفة بالكامل لهذا القطاع، تبدأ بإخضاع المناجم لرقابة مدنية شفافة، وتنظيم التعدين التقليدي عبر دمجه في الاقتصاد الرسمي، وإنشاء آليات محكمة لمنع التهريب، وربط العائدات مباشرة بخدمات المجتمعات المنتجة.
كما أن التعاون الإقليمي والدولي يمكن أن يلعب دورا محوريا في مراقبة سلسلة التوريد، بحيث يصبح الذهب غير الموثق عديم القيمة تجارياً، وحين تُغلق منافذ التهريب، ستجد الأطراف المتحاربة أن استمرار الحرب لم يعد ممكناً بالسهولة ذاتها.
السؤال ليس ما إذا كان الذهب نعمة أو نقمة، بل كيف تتم إدارته، ومن المستفيد منه، وإذا نجح السودان في استعادة السيطرة على ثروته الذهبية، فسيكون قد قطع خطوة كبرى نحو وقف الحرب، وترميم الدولة، وإعادة بناء اقتصاده على أسس أكثر عدلاً وشفافية.











