تتعرض العلاقة بين المواطن والسياسة لتحول جذري في ظل بيئة إعلامية فائقة السرعة، لم تعد فيها الرسائل السياسية تقدم من خلال خطابات مطولة أو تقارير معمقة؛ بل تضغط داخل لقطات قصيرة ومقاطع مصممة لاستثارة الانتباه قبل أي شيء آخر.. وفي ظل هذا التحول، يبرز سؤال محوري كيف تتأثر السياسة عندما يصبح الوعي العام هشا، سريع التغير، وسهل التوجيه؟
أصبحت الصورة اليوم تتقدم على المضمون، وباتت السياسة محكومة بالصورة قبل الخطاب، وبالانطباع قبل الفكرة، فالناخب لا يستند دائما إلى البرامج أو الدراسات، بقدر ما يتأثر بمشهد سريع متداول، أو عبارة مقتطعة، أو موقف مُصاغ بأسلوب يثير المشاركة والانتشار أكثر مما يخدم الفهم والتحليل.
وفي ظل هذا النمط، تتراجع المساحة المخصصة للمعرفة الدقيقة، ويصعد بديل أخف وزنا وأكثر تأثيرا، السياسة بوصفها أداء بصريا يتنافس فيه السياسيون على المشاهدة، لا على الإقناع المنهجي.
وأصبح جزء كبير من الجمهور يتعامل مع السياسة بالطريقة ذاتها التي يتعامل بها مع المحتوى الترفيهي، بحث عن انطباع سريع، لا عن تحليل معمّق، ورغبة في تلقي موقف جاهز، لا في صياغة موقف مستقل.
بهذا المعنى، يتحول المواطن من شريك في تشكيل الوعي السياسي إلى مستهلك للمواقف الجاهزة التي تنتجها خوارزميات المنصات، حيث يجري تبسيط القضايا إلى ثنائيات حادة، وتغليب العاطفة على النقاش العقلاني.
لا تعمل المنصات وفق قواعد النقاش العام التقليدي، بل وفق معادلة مختلفة، كل ما يثير الانفعال يُمنح أولوية، وكل ما يتطلب تفكيرا أو قراءة متأنية يتراجع.
تتأثر السياسة مباشرة بهذا المنطق، فتتغير أدوات السياسيين، ويتحول الأداء الإعلامي إلى عنصر أساسي في صناعة القرار، ويصبح التعامل مع الأزمات أقرب إلى «إدارة محتوى» منه إلى معالجة الأسباب الحقيقية.
أما الخطأ السياسي، فلم يعد مرتبطًا بجدوى القرار، بل بمدى نجاح صاحبه في احتواء ردود الفعل على المنصّات.
أحد أخطر آثار تراجع مدة الانتباه هو التآكل السريع للذاكرة العامة، قضايا كبرى تشغل الرأي العام لساعات قبل أن تختفي تحت سيل جديد من الأحداث، وفضائح سياسية تستبدل بأخرى قبل أن تكتمل مساءلتها.
وفي ظل هذا النسق السريع، تصبح المحاسبة هشة، ويتراجع الوعي التاريخي، وتتسع الفجوة بين ما يحدث فعليًا وما يترسخ في الذاكرة الجمعية.
لا يمكن مطالبة العالم بالتباطؤ، لكن يمكن تطوير أدوات تمكن المواطن من مقاومة الانجراف الكامل نحو السطحية.
ويحتاج ذلك إلى إعلام يوازن بين الاختصار والدقة، ومحتوى سياسي قادر على تبسيط القضايا دون تشويهها، ونظام تعليمي يعزز مهارات التفكير النقدي، وتشريعات تحد من قدرة الخوارزميات على تشكيل الرأي العام بمعزل عن الشفافية.
باختصار.. تتسارع السياسة اليوم بإيقاع مقاطع قصيرة، لكن آثارها تبقى طويلة وممتدة.. المشكلة ليست في تقلص مدة الانتباه، بل في الاعتقاد بأن هذا الانتباه السريع يكفي لصنع رأي سياسي أو تقييم قرار مصيري.
في عصر تتنافس فيه الرسائل على ثوانٍ معدودة، يصبح الوعي النقدي هو آخر خطوط الدفاع عن عمق السياسة ومعناها.













