قبل أن أشرع في تفصيل وجهة نظري كاملة، فإنني أطالب مصر وكل الدول العربية، ومعها كل الدول التي تحترم القانون الدولي والإنسانية، أن تعلن فورًا انسحابها الجماعي من ما يُسمّى بـ مجلس السلام العالمي، وكذلك من كل المؤسسات الدولية التي ترفع مواثيق السلام بينما تعجز عن صونه.
لم تعد العضوية في مثل هذه الكيانات سوى ديكور سياسي بلا أثر، وغطاء معنوي يُستدعى لتجميل واقعٍ يزداد اضطرابًا، لا لوقفه.
أيُّ عالمٍ هذا الذي يطلب من الشعوب أن تصدّق خطاب السلام، بينما الطائرات تقلع، والصواريخ تُطلق، والخرائط تُعاد رسمها بالنار؟
وأيُّ نظامٍ دوليٍّ ذاك الذي يرفع لافتة «حفظ السلم والأمن الدوليين» فيما يبارك -بالصمت أو بالفعل – اتساع دوائر الصراع؟
ليست المشكلة في خلافٍ سياسي عابر، ولا في نزاعٍ حدودي تقليدي، بل في أزمة أخلاقية كبرى تضرب قلب المنظومة الدولية ذاتها، حين تتقدّم دولة عظمى لتقود العالم باسم السلام والاستقرار، بينما تنخرط في سياسات عسكرية توسّع الاشتعال، فإن السؤال لا يعود موجّهًا إلى ساحة المعركة فقط، بل إلى شرعية النظام الذي يدّعي تنظيم العالم.
لقد نصّ ميثاق الأمم المتحدة في مادته الثانية (الفقرة الرابعة) على حظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي.
هذه ليست عبارة إنشائية، بل قاعدة آمرة في القانون الدولي المعاصر، والاستثناءات واضحة ومحددة: دفاع شرعي عن النفس وفق المادة (51)، أو تفويض صريح من مجلس الأمن الدولي.
فإذا جرى استخدام القوة خارج هذين الإطارين، فإننا لا نكون أمام «عملية حفظ السلام والاستقرار»، بل أمام خلخلة لقواعد النظام نفسه.
وحين تصدر الإشارات السياسية والعسكرية من واشنطن، في ظل قيادة مثل دونالد ترامب، بما يعكس استعدادًا لتوسيع مساحات الاشتباك بدل تضييقها، فإن التناقض يصبح فادحًا بين خطاب السلام وممارسة القوة.
لسنا هنا بصدد خصومة أيديولوجية، ولا دفاعًا عن طرف إقليمي ضد آخر، نحن أمام سؤال مبدئي:
هل يجوز أن يستمر العالم في التعامل مع مؤسسات دولية فقدت قدرتها على ردع الأقوياء، بينما تُحاسِب الضعفاء بأقصى درجات الصرامة؟
إن الأزمة الحقيقية ليست في قرار عسكري هنا أو هناك، بل في ازدواجية المعايير التي حوّلت الشرعية الدولية إلى نصٍّ يُستدعى حين يخدم الأقوياء، ويُجمَّد حين يقيّدهم.
هذه الازدواجية هي التي تقتل الثقة.
وإذا ماتت الثقة، مات النظام.
كيف يُطلب من الدول الصغيرة والمتوسطة أن تحترم قرارات دولية، بينما ترى بأمّ أعينها أن ميزان العدالة مختل؟
كيف يُقنعون شعوب العالم بأن مجلس الأمن هو حارس السلم، فيما الفيتو السياسي يشلّه عند أول اختبار حقيقي؟
الغضب هنا ليس انفعالًا، بل موقف أخلاقي.
الغضب هنا دفاع عن معنى القانون.
إن استمرار الدول في الانخراط داخل منظومة دولية عاجزة عن حماية مبادئها، دون موقف احتجاجي واضح، قد يُفهم باعتباره قبولًا ضمنيًا بما يجري.
ولهذا، فإن الدعوة إلى مراجعة جذرية للعلاقة مع هذه المؤسسات لم تعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة أخلاقية.
بل أذهب أبعد من ذلك:
إذا عجز النظام الدولي عن كبح جماح القوة المنفلتة، وإذا تحوّل ميزانه إلى أداة بيد الأقوى، فإن الانسحاب الجماعي الاحتجاجي من المؤسسات التي فقدت فاعليتها يصبح وسيلة ضغط مشروعة لإعادة تعريف معنى الشرعية الدولية.
ليس الانسحاب هروبًا.
وليس انعزالًا.
بل قد يكون صرخة مدوّية تقول للعالم:
لن نمنح شرعية صامتة لنظامٍ يكافئ القوة ويعاقب الحق.
إن الدول العربية وعلى رأسها مصر— ومعها كل الدول التي تؤمن بعدالة القانون الدولي — مطالَبة اليوم بموقف واضح، لا لبس فيه.
إمّا أن يكون ميثاق الأمم المتحدة مرجعًا حقيقيًا يُطبّق على الجميع،
وإمّا أن نعترف بأننا أمام نظامٍ مختلّ يحتاج إلى إعادة تأسيس.
السكوت لم يعد حيادًا.
والصمت لم يعد حكمة.
والانتظار لم يعد سياسة.
بأي منطق يُخاطب العالم من يرفع راية السلام وهو يوسّع رقعة النار؟
وبأي وجه يُطلب من الشعوب احترام نظامٍ يعجز عن حماية أبسط قواعده؟
إن الأزمة الراهنة ليست أزمة دولة ضد أخرى، بل أزمة معنى:
هل ما زال السلام قيمة حاكمة في العلاقات الدولية، أم مجرد شعار يُرفع حتى تبدأ الطائرات بالإقلاع؟
إن التاريخ لا يرحم لحظات التواطؤ الصامت.
وإذا كان النظام الدولي يريد أن يبقى، فعليه أن يثبت أنه ليس ناديًا للقوة، بل إطارًا للعدل.
أما إذا أصرّ على العكس،
فإن الانسحاب الجماعي الاحتجاجي لن يكون تمردًا على الشرعية، بل دفاعًا عنها.














