في رحلتي مع أهل القرآن، تخللت مسيرتي عدة شخصيات قرآنية عظيمة، كلٌ له بصمته، وكلٌ ترك أثرًا لا يُمحى في نفسي وقلبي.
من هؤلاء الشيخ جمعة البديوي، الذي التحقت بكتابه لفترة ليست طويلة، لأن المشوار إلى كتاب الشيخ سلامة كان طويلًا وبعيدًا، فتابعت مع الشيخ جمعة لبعض الوقت.
كان الشيخ جمعة، رجلاً تقياً نقيًا طيبًا، عفيفًا، محبًا للقرآن حبًا شديدًا، بذل جهدًا كبيرًا في تحفيظنا، أنا وكل أقراني في الكتّاب، وكان حاضرًا أيضًا في المعهد الأزهري بكفر النخلة، مع رفيقه الشيخ عبد الهادي أبو النور، الذي كان أيضًا مقرئًا متقنًا، وكان القرآن جزءا أصيلا في حياته ويقدّره تقديرًا عظيمًا.
الشيخ عبد الهادي كان متقنًا في الحفظ والقراءة، وصوته حسن، لكنه سريع الغضب أحيانًا، لم يكن لديه الأفق الواسع لتحفيظ الطلاب كما لدى الشيخ سلامة مثلا، لكنه كان جارًا صالحًا لنا، خفيف الظل، مضحكًا، له قفشات وتعليقات لطيفة.
ومن بين المحفظين الآخرين، كان الشيخ محيي عبده موجودًا، لكنه كان أقل منهم تفاعلًا وتأثيرًا بالنسبة لي، وكذلك الشيخ عبد السلام وكلاهما من كفر النخلة.
أما الرجل الذي تعلمت على يده أحكام التجويد، فضيلة الشيخ جمال أبو زيد خضر، الذي كان يُدرّسنا مادة التجويد في المعهد الأزهري، وكان له تأثير بالغ عليّ، وكنت أحظى عنده بمكانة خاصة، ربما أعلى من أي طالب آخر.
أتذكر موقفين مع الشيخ جمال أبو زيد: المرة الأولى، حين مر أحد الضيوف من خارج المعهد، ورآني جالسًا على الدكة أمام الأستاذ، فأشار إلى بازدراء شديد أن قم واقعد في مكانك، متجاهلا الاستاذ جمال صاحب الشخصية القوية والذي جاء من خلفية عائلية تجعل مثل هذا الفعل شائنا في حقه، فما كان منه إلا أن أشار إليه بيده أن «أغرب عن وجهي حالا والا …!».
واقعدني كما أنا.. وعندها أدرك الضيف أنه قد أخطأ فذهب مسرعا إلى مكتب شيخ المعهد الشيخ محمد سليمان، قاصا له ما حدث، وبدت على الجميع حيرة وبعد أن أنهى الشيخ جمال الحصة ذهب إلى مكتب شيخ المعهد ليجد الضيف فيصل على تأديب ضربا وتدخل الشيخ والأساتذة، وكان الحل الوسط أن يُحرم الضيف من دخول المعهد نهائيا وقد كان.
أما الموقف الثاني، فكان في درس التجويد حين سألنا عن الحروف التي لا نخرج فيها ألسنتنا، ومنعني من الإجابة حتى يمر على جميع الطلاب لسماع اجابتهم، ولما وصل لأخرها طلب مني الاجابة، فذكّرتُه بالحروف الصحيحة… الزاي والسين والصاد، وطلب مني أن أصفع زملائي جميعا صفعة على وجه كل واحد، فرفضت بحجة أنهم زملائي وإخواني.
فأكبر ذلك في جدا، بهذه التجارب، تعلمت قيمة الاحترام، والانضباط، وحب القرآن، وكذلك حب العلم والتعلّم، رحم الله الشيخ جمعة البديوي والشيخ عبد الهادي أبو النور، وفضيلة الشيخ سلامة علي الشريف، وبارك في عمر الشيخ جمال ومتعه بالصحة والعافية وجزاهم جميعا عني خير الجزاء على ما بذلوه في تعليمي، وعلى ما تركوه في قلبي من بصمة لا تُنسى.
وإلى حلقة قادمة في قصتي مع أهل القرآن الكريم.














