جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة«الأوكتاجون»، بشأن تنشيط الحياة الحزبية وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، لتضع ملفًا مهمًا على طاولة النقاش الوطني، وهو ملف يحتاج إلى رؤية عملية تتجاوز الشعارات إلى التنفيذ.
لا تُقاس الحياة الحزبية القوية بعدد الأحزاب، وإنما بقدرتها على الوصول إلى المواطن، والتعبير عن قضاياه، وتقديم كوادر تمتلك الكفاءة والقدرة على المشاركة في صنع القرار.
وفي ظل وجود ما يقارب 100 حزب سياسي، يبقى السؤال الأهم: كم حزبًا يمتلك حضورًا حقيقيًا في الشارع؟ وكم حزبًا يلامس هموم المواطنين ويعبر عن تطلعاتهم؟.
ولو طُرح سؤال بسيط على المواطنين: «اذكر أسماء الأحزاب السياسية في مصر»، فلن يتمكن معظمهم من ذكر سوى عدد محدود منها، وهذه ليست مسؤولية المواطن، بل مسؤولية الأحزاب التي أخفقت في الوصول إلى الشارع، وتركت مسافة واسعة بينها وبين الناس.
الحزب الذي لا يعرفه المواطن، ولا يرى أثره في حياته اليومية، يبقى وجوده شكليًا مهما كان عمره أو عدد أعضائه، لأن السياسة تبدأ من الشارع وتنتهي عند صناديق الاقتراع، وليس داخل المقرات المغلقة.
إن استعادة ثقة المواطنين في الأحزاب لا تتحقق عبر المؤتمرات والبيانات وحدها، بل من خلال العمل الميداني، والاحتكاك المباشر بالجمهور، وتقديم حلول واقعية للمشكلات اليومية، وبناء كوادر سياسية مؤهلة تستطيع إدارة الحوار، وصياغة البرامج، وخوض الاستحقاقات الانتخابية بكفاءة.
كما أن الاستعداد لإجراء انتخابات المجالس المحلية يمثل فرصة مهمة أمام الأحزاب لإثبات حضورها الحقيقي، من خلال الدفع بقيادات شابة وكفاءات قادرة على خدمة المواطنين، وتحويل العمل الحزبي من نشاط موسمي إلى عمل مؤسسي دائم يرتبط بالشارع ويستمد قوته منه.
إن التوجيهات الرئاسية تمثل رسالة واضحة بأن الدولة تدعم وجود حياة سياسية أكثر حيوية وفاعلية، لكن نجاح هذه الرسالة سيظل مرهونًا بقدرة الأحزاب نفسها على مراجعة أدائها، وتجديد خطابها، والانفتاح على المجتمع، وصناعة كوادر تمتلك الفكر والكفاءة والقدرة على كسب ثقة المواطنين.
الرهان الحقيقي اليوم ليس على زيادة عدد الأحزاب، وإنما على زيادة تأثيرها، وليس على اتساع المشهد السياسي شكلاً، وإنما على تعميق حضوره مضمونًا في حياة المصريين.
إن بناء حياة حزبية حقيقية ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية الأحزاب أولًا، فالفرصة أصبحت متاحة، والإرادة السياسية موجودة، لكن التحدي الحقيقي هو أن تنتقل الأحزاب من مقاعد المتفرجين إلى ساحات العمل، ومن البيانات إلى المبادرات، ومن المقرات المغلقة إلى الشارع.
الأحزاب التي لا يسمع المواطن صوتها، ولا يرى أثرها، ستظل مجرد أسماء في السجلات، بينما الوطن يحتاج إلى أحزاب تصنع كوادر، وتقدم حلولًا، وتستحق ثقة الناس.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا













