هناك موت يسرق إنسانًا، وهناك موت يسرق حياةً كاملة، مر عام كامل على رحيل شقيقي الأكبر فتحي أبو العز، رسام الكاريكاتير بجريدة الأهرام ويكلي، لكن الزمن منذ تلك الجمعة الحزينة، الحادي عشر من يوليو2025، لم يعد كما كان.
ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا مرت، لكنها لم تستطع أن تُقنع القلب بأنك رحلت، ولم تستطع أن تُخفف من وطأة الغياب، لأن بعض الغياب لا يعتاده الإنسان، وبعض الوجوه لا تُغادر الذاكرة مهما طال الزمن.
يقولون إن الأيام كفيلة بمداواة الجراح، لكنهم لم يفقدوا رجلًا كان وطنًا صغيرًا لعائلته، وأمانًا يسكن القلوب، وظلًا نستريح إليه كلما اشتدت حرارة الحياة.
منذ أن رحل والدنا، الشيخ أبو العز «رحمه الله»، عام 1997، لم تبحث عن دور البطولة، ولم تُعلن أنك أصبحت رب الأسرة، بل فعلت ما يفعله الرجال الحقيقيون؛ حملت المسؤولية في صمت، ومضيت.
لم تنتظر شكرًا، ولم تمنن على أحد بعطائك، ولم يشعر أحد يومًا بثقل ما تحملته، لأنك كنت تخفي تعبك كما تخفي الأم دموعها عن أطفالها.

كنت تؤمن أن الرجال لا تُقاس بما يقولون، وإنما بما يتحملون، ولذلك حملت أحلامنا قبل أحلامك، واهتممت بمستقبلنا قبل مستقبلك، وجعلت راحتنا هدفًا لحياتك.
دفعت من عمرك وصحتك وسنوات شبابك ثمنًا لاستقرار أسرتك، حتى أصبحت بالنسبة لنا الأخ والأب والصديق والناصح والحارس الذي كنا نظن، بحكم وجوده، أن الدنيا ما زالت بخير.
واليوم فقط، بعد رحيلك، أدركنا حجم ما كنت تقوم به في صمت، أدركنا أن هناك رجالًا لا يُعرف قدرهم إلا عندما تخلو الأماكن منهم، وأن بعض الأشخاص لا يملؤون مكانًا في البيت، بل يملؤون الحياة كلها.
ولأن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، فقد كان المرض رفيقك منذ نعومة أظافرك، ثلاث عمليات قلب مفتوح لم تكسر إرادتك، ولم تنزع من وجهك ابتسامته، وكنت تستعد للرابعة وكأنك ذاهب إلى موعد عادي، تردد دائمًا أن ما كتبه الله خير، وأن الابتلاء باب من أبواب الأجر.
كم مرة أخفيت ألمك حتى لا نحزن؟ وكم مرة ابتسمت وقلبك يئن؟ وكم مرة قلت: «الحمد لله»، بينما كنت تتحمل من الوجع ما تعجز الجبال عن حمله؟ كنت تعلمنا، دون أن تقصد، أن الصبر ليس كلمات تُقال، بل حياة تُعاش.
أما قلبك.. فكان حكاية أخرى، لم أعرف إنسانًا كان أحرص منك على جبر الخواطر، كنت ترى أن الكلمة الطيبة قد تُنقذ إنسانًا من انكساره، وأن السؤال عن الناس عبادة، وأن الوقوف بجوار المحتاج واجب لا فضل.. لم تكن تتأخر عن ملهوف، ولا ترد صاحب حاجة، ولا تبخل على أحد بمشورة أو وقت أو جهد.
كنت ترى الناس بعيون قلبك، لا بعيونك فقط، ولذلك أحبك الجميع.. أحبك جيرانك، وأصدقاؤك، وزملاؤك، وتلاميذك، وكل من اقترب منك، لم يكن حبهم لأنك فنان كبير، بل لأنك إنسان أكبر، لأنك كنت صادقًا دون تصنع، ومتواضعًا دون ادعاء، ونبيلًا دون ضجيج.
وفي عالم الفن، كنت عاشقًا للكاريكاتير حتى آخر نبضة من قلبك، لم تكن الريشة بالنسبة إليك وسيلة للرزق، بل كانت رسالة، كنت ترسم بعين الفنان، وعقل المفكر، وقلب الإنسان، ولذلك لم يكن غريبًا أن يشهد لك أساتذتك قبل تلاميذك، وأن يحترمك الجميع قبل أن يعجبوا بموهبتك.
لكن أكثر ما يؤلم في رحيلك، أنه جاء فجأة، لم تمهلنا الحياة لنقول لك: شكرًا، لم تمنحنا فرصة لنعانقك العناق الأخير، لم تترك لنا إلا الذكريات، والذكريات أحيانًا تكون أكثر قسوة من الغياب نفسه.

عام مضى يا فتحي، وما زال مقعدك شاغرًا، وما زال اسمك يتردد في كل مجلس، وما زلنا، كلما واجهتنا أزمة، نقول بعفوية: «لو كان فتحي بيننا لوجد لها حلًا»، وما زلنا نفتقد حكمتك، وهدوءك، ونظرتك الثاقبة التي كانت ترى ما وراء الأحداث، وتقرأ الأشخاص قبل أن يتكلموا.
لقد رحلت، لكنك تركت إرثًا لا يُقاس بما رسمته من لوحات، وإنما بما غرسته من قيم، تركت أبناءً وإخوةً تعلموا منك أن المسؤولية شرف، وأن التضحية ليست شعارًا، وأن الإنسان يُخلَّد بما يمنحه للناس، لا بما يأخذه منهم.
نم هادئًا يا شقيقي، فما زالت دعواتنا تصلك، وما زالت سيرتك تُذكر بكل خير، وما زال حبك يسكن القلوب التي عرفتك.
اللهم إن عبدك فتحي أبو العز قد جاءك، وقد انقطع عمله إلا من أثر طيب تركه في الناس، ومن دعاء لا ينقطع من محبيه وأهله، اللهم أفسح له في قبره مد البصر، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واغفر له بقدر ما أسعد قلبًا، وجبر خاطرًا، وأعان محتاجًا، وأخلص في عمله، وصبر على بلائه.. اللهم اسقه من يد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شربةً هنيئة لا يظمأ بعدها أبدًا، واجمعنا به في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
رحمك الله يا فتحي… لم تكن أخًا أكبر فحسب، بل كنت العمر الذي استندنا إليه، وحين رحلت، شعرنا أن شيئًا من أعمارنا قد رحل معك.. الفاتحة لروحه الطاهرة.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














