مازالت جوائز الدولة التقديرية في مصر، منذ لحظة إطلاقها، بمثابة العقد الضمني بين الوطن ومبدعيه، وإقراراً نبيلاً بأن الصبر على الكلمة، والسهر والأرق واليقظة داخل أروقة البحث، والاستنزاف التام للطاقة الإبداعية والنفسية للفنان، هي أشياء تستحق أن تُحفر في ذاكرة الأمة.
غير أن ما جرى في الآونة الأخيرة عقب الإعلان عن أسماء الفائزين لم يكن مجرد اختلاف معتاد في أذواق الناقدين أو مناكفات ثقافية عابرة، لكن كان زلزالاً مكتوماً هز يقين الكثيرين، وترك غصة حارقة في قلوب من أمنوا بأن الجائزة هي السياج الأخير الذي يحمي القيمة والقدر ويحفظ المقام رفيعا ويمنع الابتذال.
والمرارة التي يسود بها هذا الموقف ليست وليدة رغبة في الإقصاء أو حسد للمكرمين، بل نابعة من صدمة الوعي حين يرى أن التقدير قد أُفرغ من جوهره.
ولكن السؤال الأهم هو: كيف يُعقل أن يُرفع إلى منصة التكريم الأرفع ناس تسأل الساحة الثقافية والأكاديمية عنهم فلا تجد جنيناً لفكرة ولا أثراً لمؤلف؟ كيف يستوي من قضى عمره ينسج من عصبه ويخيط كُتباً وأبحاثاً غيرت في مجراها أفكار جيل بأكمله، مع من أتقن فقط فن التواجد في الممرات الصحيحة والتقاط الصور في التوقيت المناسب؟.
إن المشهد لا يشي فقط بضعف المعايير، بل يعلن بوضوح أن شبكة التوازنات، والعلاقات الشخصية، وتبادل المصالح، قد طغت على معيار الكفاءة الفذة التي كانت يوماً شرطاً لا يُتلفه الاستثناء.
حقيقة يمكنا القول بأن خطورة ما حدث تتجاوز بكثير مجرد منح شيك بنكي أو ميدالية لمن لا يستحق، لكنها تمتد لتضرب المعنى الحقيقي وفي مقتل، فعندما يرى الباحث الشاب أو المبدع المجتهد والمجهد دوماً والذي يحترق في عزلتيه الكبرى والصغرى صانعاً معناه.
إن الطرق المختصرة عبر مجاملات الصالونات وأقنعة الصداقات والمجاملات عبر الهواتف هي الوحيدة التي تصل بك إلى القمة، فإن الرسالة التي يتلقاها تسحق في داخله كل إيمان بجدوى التعب، وتصبح القيمة كذبة بيضاء، ويتحول الطموح إلى زهد بائس، وتسود حالة من الخدر القومي حيث يستوي الذي يعمل والذي يتقن فن لعبة الظهور في كل المناسبات وكله فاضي.
وهذا العطب ليس مجرد كبوة عابرة كما قال بعض الأصدقاء، بل هو نتيجة طبيعية لمسار أغلقت فيه اللجان على نفسها، وتحولت عملية التصويت والترشيح في كثير من الأحيان إلى تكتلات شبه فئوية، تدار بالهمس وتحسم بالخواطر، ويغيب الفحص النقدي الحقيقي للإنتاج الفكري، ليحل محله سؤال العلاقات: «من يحب من؟ ومن يتذكر من؟ ومن جامل من؟».
وبدلاً من أن تُمنح الجائزة لأثر المبدع في عقول الناس، تُمنح لأثره في نفوس أصحاب الأصوات.
ومن المؤكد أن استعادة هيبة الجوائز الوطنية لم تعد مجرد مطلب نخبوي، لكنها معركة على روح الثقافة المصرية وتاريخها التنويري، ولا يمكن لهذه الجائزة أن تسترد سحرها ونزاهتها إلا بمكاشفة شجاعة، وهى العمل على تفكيك هذه الدوائر المغلقة التي التي شاخت على مقاعدها، ووضع ضوابط صارمة تُعيد للإنتاج الفكري ثقله المادي والروحي، وتجعل الاستحقاق مكشوفا للجميع بشفافية لا تقبل الشك.
كما يمكن أن نؤكد على أن الجوائز في جوهرها ليست ألقابا تُضاف إلى السير الذاتية، بل هي المرآة التي تخبر المجتمع بما يقدره حقاً، وإذا تلوثت هذه المرآة بفعل المجاملات الزائفة والمحسوبية، فإننا بلا شك لا نخسر فقط أسماء مستحقة أُسقطت عمدا، بل نخسر ثقتنا في أن الفن والعلم قادران على حمايتنا من كل هذا الابتذال.














