لم تعد القاهرة كما كانت ، باتت عصية ، وباتت غبية ، صارت قاسية ، لم تعد كما كانت مقصدي الحاني ، ولم يعد هناك من الرفاق من تهفو إليه نفسي لرؤيته.
غابوا جميعا وبلا رحمة ، فصارت شوارعها بلامصابيح ، وباتت طرقها مليئة بالعثرات ، صار هواؤها لزجا ، وشمسها اقسي من شفرة سكين .
القاهرة لم تكن فقط الشوارع والأبنية العتيقة في الكوربة ووسط البلد ، لم تكن فقط المقاهي المكتظة بالبشر ، لم تكن فقط المولات التي يحلو لي التسكع في أدوارها ، مكتفيا بمطالعة احدث الموضات ، لم تكن فقط مسمط اولاد كاريكا الكائن بالقرب من محطة مترو محمد نجيب ، ولا مقهي زهرة البستان .
القاهرة كانت مشروع البحث عن الأصدقاء ، عندما اسافر صباحا ، اذهب اولا لرؤية عصام كمال في المطبعة بشارع محمد علي ، ماأن نلتقي حتي تنهمر الدعابات والحديث عن أم الولاد ، ويسألني عما إذا كانت قفشتني ولا لأ ، يدعوني لتناول الأفطار المعتاد ، يسألني عن السويس ، وعن أخبار المعلم عيد رواش وعن ابراهيم ابوهاشم ، عندما ينتصف النهار ، كنت اقصد مكتب طارق خليل ، تمتد علاقتنا لثلاثين سنة مضت ، منذ أن عرفته صاحب افضال ، كان قد أسس مركزا بحثيا .
وكان شقيقه جيده يصنع طعام الغداء للباحثين ، اتناول غدائي ثم اركن الي اقرب كنبة مستلقيا لاألقي بالا لأي شيء. عندما تغرب الشمس و تصبح الشوارع أقل حرارة انطلق نحو مكتب صديقي المحامي رمضان الهلاوي بشارع مصطفي النحاس بمدينة نصر ، اول ما اجتاز باب مكتبه حتي ينطلق مرحبا بصوته الجهوري ، يسألني عما إذا كنت قررت المبيت في القاهرة ام أنني سوف اعود الي السويس في نفس المساء ، أخبره انتي قررت العودة ، فيقوم بالأتصال بمطعم أبومازن السوري ،موصيا بتجهيز كيلو كباب وجوزين حمام مع المشتملات.
قد يبدو الحديث عن الطعام حديثا يختزل العلاقة بين اصدقاء في مساحة قد تبدو محدودة ،لكن الحقيقة ،كانوا جميعا يتعاملون بمنطق الاحتفاء بصديق قديم قادم من بعيد ،والطعام هو ابسط وادفأ مظاهر الأحتفاء .
طبعا كان السفر للقاهرة ، يعني الذهاب الي اكتوبر لقضاء عدة أيام مع صديق العمر محمد زغلول ، رأيته اول مرة في إجازة الاعدادية سنة 75 من القرن الماضي ، عرفته عن طريق الصديق كمال عبدالمنعم ولعل صديقنا الأخر عبدالله حسني كان موجودا ، أكثر من خمسين عاما منذ أن رأيته لأول مرة ، ثم غبنا عن بعض طوال المرحلة الثانوية ،ثم التقينا مرة أخرى في نهايات عام 80 عندما سافرت للقاهرة للألتحاق بالجامعة .
ثم امتدت صداقتنا بتفاصيل من الصعب حصرها ومن المستحيل اختزالها ، كان يمكننا البقاء في مسكنه دون الخروج لمدة يومين او ثلاثه لانكف فيها عن الحديث ، تعلمت منه الجلد وإتقان الكتابة بالعربية وأهمية أن تكون الكتابة قائمة علي المعلومات قبل أن تكون مجرد انشاء أو نظم مرتب .
بهجرة محمد زغلول الي أحد المنافي هجرة بلاعودة ، وبرحيل طارق خليل ورمضان الهلاوي وعصام كمال ، أصبحت يتيما ، وباتت القاهرة مدينة جافة ،يابسة ، لم يعد هناك من يغريني بالسفر ، الوجوه باتت كالحة، والشوارع لزجة ، ومابقي من أصدقاء ،جميعهم تخطوا سن التقاعد الوظيفي ، تمر أعوام دون أن اري اقربهم الي قلبي ، حسن عبدالله دفعة صحافة الأزهر 84 ، محمد سعد المدير الفني لأخبار اليوم ، محمد حسني المهاجر الي اسبانيا ، زارني عقب إجراء جراحة البروستاتا ، سليم عزوز آخر النبلاء ، رأيته المرة الأولي عام 86 وانقطعت رؤيتي له منذ رحيله إلي الدوحة منذ قرابة ثلاثة عشر عاما .
لم يعد لدي سوي اجترار الذكريات والتأسي علي مافات ، وان بت مشغولا الآن بالتخلص من كافة الوجوه المقبضة ، بعض البشر التخلص من وجودهم في حياتك بات أمراً مطلوبا ، ولأن مابقي من العمر لم يعد يحتمل مرارات جديدة .
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














