النداء الأخير للعرب، عدونا غدار، يعرف ما يريد، وكل يوم يكسب أرضاً جديدة، ونظرة سريعة إلى خريطة العروبة الممزقة تكشف ما آل إليه حالنا من ضعف وهوان.
الأمر يتطلب الإفاقة من الغيبوبة قبل أن تتحول إلى موت أبدي لن ينجوا منه أحداً، هذا ليس وقت المجاملات العربية، ولا وقت البيانات التي تنتهي كلماتها قبل أن تبدأ أفعالها.
المنطقة تقف على حافة هاوية، ودائرة الحرب تتسع، والعرب ما زالوا يتعاملون مع الخطر وكأنه شأن يخص الآخرين، وهذه أخطر لحظة يمكن أن نصل إليها.
ما يجري حولنا ليس مجرد جولات عسكرية عابرة، ولا أزمات منفصلة يمكن وضع كل واحدة منها في ملف مستقل، من غزة إلى لبنان وسوريا واليمن، ومن البحر الأحمر إلى الخليج، ومن السودان إلى ليبيا والقرن الأفريقي، تتقاطع الأزمات وتتداخل المصالح، وكل شرارة جديدة تفتح الباب أمام شرارة أكبر.
السؤال الذي يجب أن يواجه العرب أنفسهم به الآن، دون مواربة، ماذا لو اتسعت الدائرة أكثر؟ ومن سيكون التالي؟ العدو لا ينام، ولا يتحرك بعشوائية، ولا ينتظر أن تمنحه الخلافات العربية فرصة، هو يعرف جيدًا أين توجد نقاط الضعف.
إبقاء العرب في حالة تشتت ليس تفصيلًا عابرًا في معادلة المنطقة، إنه جزء من معركة القوة نفسها، لقد اعتدنا أن نختلف على كل شيء، حتى أصبحنا نختلف أمام الخطر نفسه، دولة ترى التهديد من حدودها، وأخرى تراه بعيدًا عنها، وثالثة تفضل الصمت، ورابعة تنتظر ما ستفعله القوى الكبرى، لكن التاريخ لا ينتظر أحدًا.
الأخطر أن بعضنا ما زال يتصرف بمنطق: «طالما أن النار لم تصل إليّ، فهي ليست ناري» -على طريقة جحا- وهذا وهم خطير، النار عندما تكبر لا تسأل عن الحدود، والأزمات عندما تتوحش لا تفرق بين عاصمة وأخرى.
من يعتقد أن بإمكانه الوقوف متفرجًا على انهيار محيطه ثم العودة إلى الأمان بعد انتهاء المعركة، قد يكتشف أن الأمان نفسه أصبح جزءًا من الماضي.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس وحدة شعارات، ولا مؤتمرات بروتوكولية، ولا صورة جماعية لزعماء يختلفون بعد دقائق من مغادرتهم القاعة، المطلوب تكتل عربي حقيقي.
مطلوب تنسيق سياسي وأمني واقتصادي، وموقف عربي واضح، وقدرة على حماية المصالح المشتركة، وإدارة الخلافات بعيدًا عن تحويلها إلى ثغرات مفتوحة أمام الآخرين.
ليس مطلوبًا أن تصبح الدول العربية دولة واحدة غدًا، لكن المطلوب أن تتعلم كيف تكون كتلة واحدة عندما يتعلق الأمر بأمنها ومصالحها ووجودها، القوة اليوم لا تصنعها البيانات، وإنما يصنعها امتلاك أوراق التأثير، واستخدامها في الوقت الصحيح.
العرب يمتلكون أوراقًا هائلة، الموقع، والثروات، والطاقة، والممرات البحرية، والأسواق، والقوة البشرية، والمكانة الدينية والتاريخية، وعلاقات دولية واسعة، لكن المشكلة ليست في غياب الأوراق.
المشكلة في أن الأوراق العربية لا تتحول دائمًا إلى قوة عربية، وهنا يجب أن نتوقف، كم من أزمة كان يمكن أن تكون مختلفة لو تحدث العرب بصوت واحد؟ وكم من خطر كان يمكن احتواؤه لو أدرك الجميع أن أمن هذه الدولة امتداد لأمن تلك الدولة؟ وكم من فرصة ضاعت لأن الخلافات الصغيرة ابتلعت المصالح الكبيرة؟
آن الأوان أن نفهم أن العالم لا ينتظر المترددين، وأن الفراغ لا يبقى فراغًا؛ هناك دائمًا من يأتي ليملأه، فإذا لم يملأ العرب فراغهم بأنفسهم، فسوف يملؤه الآخرون.
هذه ليست دعوة إلى مواجهة مفتوحة، وإنما دعوة إلى امتلاك القدرة على منع المواجهة عندما تكون في غير مصلحة شعوبنا.
الردع أحيانًا أكثر قوة من الحرب، والوحدة أبلغ من الصراخ، والموقف الجماعي أقوى من مواقف متفرقة مهما كانت حادة، لكن الوقت ليس مفتوحًا إلى الأبد.
كل يوم يمر والمنطقة أكثر اشتعالًا، والعرب أكثر انقسامًا، هو يوم إضافي تتراجع فيه مساحة المناورة، ولهذا نقولها بلا دبلوماسية زائدة، تكتلوا قبل أن تتكتل عليكم الأزمات، توحدوا قبل أن توحدكم المصائب.
اتفقوا قبل أن تفرض عليكم الأحداث ما لا تريدون، لا تنتظروا حتى تصل الحرب إلى آخر باب، ولا تراهنوا على أن العاصفة ستتوقف عند حدود الآخرين.
العدو الذي يتربص بالمنطقة لا يرى خرائط الخلافات العربية كما نراها نحن؛ يرى فقط أين توجد القوة وأين توجد الثغرة، وهذه ربما تكون اللحظة الأخيرة التي نستطيع فيها أن نختار بأنفسنا.
إما أن ندرك أن أمننا واحد، ومصالحنا متشابكة، وأن خلافاتنا يجب ألا تتحول إلى انتحار جماعي، وإما أن نستيقظ ذات يوم لنكتشف أن الآخرين اتخذوا القرار، ونحن فقط ندفع الثمن.
هذا هو النداء الأخير للعرب، لا تنتظروا النار حتى تجمعكم،
اجتمعوا قبلها، ففي زمن تتغير فيه خرائط القوة، لم تعد الوحدة العربية ترفًا ولا شعارًا للمناسبات، إنها، ببساطة، واحدة من شروط البقاء.












