حين تسيطر الغيرة المرضية على عقول بعض البشر، تتحول تدريجياً إلى هوس مدمر يلتهم سلامهم النفسي قبل أن يؤذي أي شخص آخر. الغيرة في جوهرها هي استنزاف للعمر في مراقبة الآخرين، والغرق في مستنقع المقارنات، والنظر المستمر إلى ما في أيدي الناس.
في المقابل، نجد أن الشخص الواثق من نفسه يترفع تماماً عن هذه المقارنات العقيمة، ولا يمكن للمرء أن يصل إلى هذه الطمأنينة إلا إذا ترسّخ في قلبه إيمان مطلق بأن الأرزاق -أياً كانت- هي بيد الله وحده.
لقد كتب الله مقادير كل شيء في اللوح المحفوظ قبل خلق البشر؛ كتب أصل الإنسان، وتاريخ وجوده، ورزقه، ونهايته، ومصيره في العالم الماورائي. لن يستطيع إنس أو جان أن يسلب امرأً رزقاً قدّره الله له، وفي هذا الإعجاز الإلهي يقول الرسول ﷺ: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ».
وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا يغار البعض من حياة غيره، والله عادل وقد قدّر كل شيء؟
الحقيقة التي يغفل عنها الحاقدون هي أنه لا يوجد إنسان على وجه الأرض يملك كل شيء. فحتى تلك الأرزاق التي يُحسد عليها المرء، قد تختبئ خلفها جوانب مظلمة وحزينة في حياته لا يعلمها إلا الله. لقد تلخصت طبيعة هذه الدنيا في قوله عز وجل: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾؛ أي في مشقة وتعب. فلا يوجد مخلوق مرتاح البال كلياً، والشخص الذي تحسده وتظنه في نعيم، يعاني غالباً من مشقات أخرى تدور في فلك حياته الخاصة.
وهنا نقف أمام تساؤل أعمق: لماذا لا نحب بعضنا بعضاً؟ لماذا لا نتمنى الخير للناس ونسعد لنجاحهم؟
إن القاعدة الربانية واضحة: «على نياتكم ترزقون». فلماذا لا تكون هذه النيات طيبة، تملؤها القناعة، والرضا، والحب؟
حين نتأمل من حولنا، يصيبنا الذهول من هذا الكم الهائل من الحقد والشر والحسد، والغيرة من نعم وهبها الله لعباده بعد مجهود ضخم، ومشقة، وتعب طويل. أحياناً نصدم ونتساءل: هل وصل السخف ببعض البشر إلى هذه الدرجة؟ كيف يضيعون أعمارهم في مراقبة حياة الآخرين، وهدر الوقت في حياكة المكائد وسواد القلوب، بدلاً من الالتفات إلى ذواتهم وإصلاح حياتهم؟
إنهم ينسون أن الله هو خالق هذا الكون، وهو الذي قسّم الأرزاق، وجعل القبول لبعض الناس، وكافأ آخرين بالنجاح. أنت لا تعلم أبداً قصة كل إنسان، ولا حجم وجعه، ولا كيف كافح وعانى ليصل إلى أهدافه. فلننشغل بأنفسنا، ولنطهر قلوبنا، فالدنيا فانية والرزق مكتوب.












