استفزني كثيرًا بل وأغضبني جدا ذلك المشهد الذي رأينا فيه كيف انهال البعض على فتاة صلّت في مطعم، طعنًا في دينها وأخلاقها وشخصها، وكأنهم نصبوا أنفسهم أوصياء على الناس، لا يملكون إلا خناجر الكلام. ثم جاءت المفارقة.
فتاة في كلية الطب البيطري أرادت أن تظهر في حفل تخرجها بمظهر اعتبره عميد الكلية، باعتباره تربويًا ومسؤولًا عن أبنائه وبناته من الطلاب والطالبات، غير لائق ببيئة تعليمية لها حرمتها وقيمها، فرفضه حفاظًا على كليته، وعلى ألا يتحول المظهر الاستثنائي إلى مشهد مألوف يعتاده الطلاب.
وهنا انتفض المرجفون.. «إنها حرة.. من حقها أن ترتدي ما تشاء!».. حسنًا… فلنكن صريحين. إذا كانت الحرية حقًا، فهي حق للجميع.
لماذا تمنحون فتاة حق اختيار مظهرها، ثم تحرمون أخرى من حقها في الصلاة؟
ولماذا يتحول الحديث عن الآذان، كما في واقعة حي الأشجار، إلى مناسبة لمحاكمة صاحبته، بينما يصبح كل اختيار آخر عنوانًا للحرية؟
لماذا تكون الحرية مقدسة حين توافق أهواءكم، وتسقط حين يختلف صاحبها معكم؟
المشكلة ليست في الاختلاف؛ فالاختلاف طبيعي، بل وصحي. المشكلة في ازدواجية المعايير.
فـ«المرجفون في المدينة» لا يدافعون عن مبدأ بقدر ما يدافعون عن موقف يوافق هواهم. يرفعون راية الحرية حين تخدمهم، ويخفضونها حين تصبح حقًا لمن لا يشبههم.
أما المبدأ الحقيقي فلا يتجزأ. إن كنت مع الحرية، فكن معها للجميع. وإن كنت مع القيم، فلا تجعلها سلاحًا انتقائيًا. وإن كنت مع القانون، فليكن فوق الجميع.
أما أن يكون معيارك: إذا وافق رأيي رأيك فأنت متحضر، وإذا خالفته فأنت متخلف ومتزمت، فهذه ليست حرية ولا مبدأ. هذا هوى يرتدي ثوب المبادئ.
والأخطر أن هؤلاء «المرجفين»، رغم كل هذا الضجيج، يؤدون وظيفة كاشفة؛ فهم يفضحون أنفسهم بأنفسهم، ويكشفون للمجتمع من يتمسك بالمبدأ حين يخدمه، ومن يتمسك به لأنه مبدأ حتى عندما يخالف هواه.
ولهذا فالمعركة الحقيقية ليست مع اختلاف الآراء، وإنما مع النفاق الأخلاقي؛ أن تطالب لنفسك بما تنكره على غيرك، وأن ترفع شعار الحرية لتسحق به حرية من لا يشبهك.
لسنا بحاجة إلى إسكات المختلفين، ولا إلى قطع ألسنتهم؛ بل إلى شيء أصعب وأشد تأثيرًا .. أن نضعهم أمام مرآة مبادئهم.
فمن يطلب الحرية لنفسه عليه أن يقبلها لغيره، ومن يتحدث عن القيم عليه أن يحترمها حتى حين لا توافق هواه.
وإلا… فالمبدأ الذي لا يسري على الجميع ليس مبدأً. والحرية التي تُمنح للأصدقاء وتُسلب من الخصوم ليست حرية. إنها مجرد انتقائية.. مغلفة بالكلمات الكبيرة.
«المرجفون في المدينة».. لا يموتون، لكنهم، كلما تكلموا، كشفوا أنفسهم أكثر.














