ليس مطلوبًا من مصر أن تدخل كل معركة تدور حولها، لكن أيضًا ليس لديها رفاهية أن تتفرج، هذه ليست جملة سياسية للاستهلاك، الجغرافيا وحدها تفرضها.
مصر تجلس في المكان الذي تلتقي عنده غزة والبحر الأحمر والمتوسط، وتفتح قناة السويس على واحد من أهم طرق التجارة في العالم، بينما يرتبط أمنها بشكل مباشر بما يحدث في ليبيا والسودان والخليج، لذلك، عندما ترتفع حرارة المنطقة، لا تستطيع القاهرة أن تتعامل معها كخبر في نشرات المساء.
المشهد الآن مختلف، لم تعد المواجهات محصورة في حدود دولة، ولا أصبحت الممرات البحرية مجرد خطوط على الخريطة، أي اضطراب في الخليج يمكن أن يضغط على الملاحة والطاقة، وأي توتر في البحر الأحمر له طريق مباشر إلى قناة السويس والاقتصاد المصري.
لهذا أعلنت القاهرة بوضوح أن أمن دول الخليج جزء من أمنها القومي، وأدانت خلال يوليو الاعتداءات التي استهدفت دولًا خليجية وعربية، لكن هناك جانبًا آخر في الموقف المصري يستحق الانتباه.
القاهرة لا تتحرك بمنطق «اختيار معسكر»، هي تحاول، قدر الإمكان، أن تحتفظ بخطوط اتصال مع أطراف متعددة، وأن تستخدم هذه المساحة للضغط باتجاه التهدئة، وفي 21 سبتمبر استضافت البعثة المصرية في نيويورك اجتماعًا جمع مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وتركز النقاش على خفض التصعيد وأمن الملاحة والتنسيق بشأن قضايا المنطقة.
قد يبدو الاجتماع للوهلة الأولى مجرد تحرك دبلوماسي آخر، لكن أهميته في رأيي أنه يقول شيئًا أبعد من بيانات الإدانة، دول المنطقة بدأت تدرك أن ترك أمنها بالكامل لتقديرات القوى الكبرى مخاطرة لا يمكن تجاهلها.
مصر، بحكم موقعها وثقلها، لا يمكن أن تكون بعيدة عن محاولة بناء هذا النوع من التشاور، المشكلة أن المنطقة تقف أمام أكثر من طريق.
قد تنجح الاتصالات في منع اتساع المواجهات، وتبقى الأزمات تحت سقف يمكن السيطرة عليه، وقد يحدث العكس، تستمر الضربات والردود، وتنتقل الضغوط من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن الملاحة إلى الاقتصاد، ومن أزمة إلى أخرى.
وهناك احتمال ثالث ربما يكون الأهم على المدى البعيد، أن تكتشف دول المنطقة أن أمنها لا يمكن أن يظل رد فعل على ما يقرره الآخرون، وأن الحوار العربي والإقليمي ليس رفاهية دبلوماسية، بل ضرورة، هنا تحديدًا يصبح الدور المصري مهمًا.
ليس لأن القاهرة تستطيع وحدها إطفاء كل الحرائق، فهذا غير واقعي، لكن لأنها تستطيع أن تفعل ما هو أصعب، أن تحاول منع حريق جديد من الاشتعال أصلًا.
وهذا ما يفسر تمسكها بخفض التصعيد من ناحية، ورفض المساس بأمن الدول العربية من ناحية أخرى، وهو توازن ليس سهلًا، لكنه أقرب إلى طبيعة الدور الذي تحاول مصر أن تلعبه في هذه اللحظة.
السكوت عن تهديد أمن الخليج ليس خيارًا مصريًا، كما أن الانجرار إلى حرب مفتوحة ليس حلًا، وبين الاثنين تتحرك القاهرة.
قد يختلف البعض مع تفاصيل هذا التحرك أو يرى أنه يحتاج إلى خطوات أكثر جرأة، لكن المؤكد أن مصر لا تنظر إلى ما يجري باعتباره صراعًا بعيدًا عنها.
مصر تعرف أن النار إذا اتسعت في المنطقة، فلن تتوقف عند حدود الآخرين، ولهذا فإن السؤال بالنسبة للقاهرة ليس: من سيربح الجولة القادمة؟ السؤال الأهم هو، كيف نمنع الجولة القادمة من أن تتحول إلى حرب لا يعرف أحد أين تنتهي؟
في منطقة اعتادت أن تنتظر الكارثة ثم تبحث عن مخرج، ربما يكون التحرك قبل الانفجار هو أصعب أدوار مصر.. وأهمها.













