في عالم يتسم بالسرعة الجنونية في تدفق المعلومات، وتختلط فيه الحقيقة بالخيال، تطل الشائعات من آن لآخر كظل ثقيل يرافق البشرية منذ البدايات الأولى، وكلها كلمات وحكايات معجونة بالفبركة والهلوسة وبالأخبار المزورة، تنقل عبر العصور لتتحول إلى طوفان جارف قادر على هز إمبراطوريات وإشعال حروب وتحريف التاريخ بأكمله، وهي أكاذيب لا تحتاج إلى قوة عسكرية أو سلاح، ولكنها تحتاج فقط إلى بيئة خصبة يسيطر عليها الخوف والجهل.
الشائعة ليست مجرد انحراف عابر في السلوك البشري، بل هي ظاهرة عميقة، تترسخ في النفس البشرية، وتغذيها رغبة الإنسان في فهم الغموض، واستثمار غرائزه الأساسية في البقاء والدفاع والانتماء لجماعته أو محيطة، وكلها ضد الدولة الوطنية.
في هذا السياق، تصبح الشائعة وعاء تفرغ فيه المجتمعات هواجسها، وتوتراتها المدفونة داخل أعماق النفس، لتتجلى فجأة في شكل هلع جماعي، أو أحكام متحيزة، أو اضطهاد مبرر.
وبالعودة إلى التاريخ نجد أن الشائعات لم تكن مجرد أحاديث عابرة، لكنها كانت عبارة عن أحداث حاسمة غيرت مسار الحضارة، ومن هذه الشائعات، (شائعة حريق روما الكبير) في عهد الإمبراطور نيرون، والتي استُخدمت لتهمة المسيحيين الأوائل، وتكريس كارثة نفذت بدم بارد، وأيضا شائعة (التسمم الجماعي للآبار) في عصر الطاعون الأسود، التي دفعت المجتمعات الأوروبية إلى مذابح مروعة ضد اليهود، بحجة أنهم وراء الوباء، وشائعة تسمم الآبار في العصر الملكي في مصر حيث شهدت مصر في الأربعينيات وبداية الخمسينات وكلها رافقت حريق القاهرة، بالإضافة إلى شائعة الطوابير ونقص السلع في أزمة الخبز سنة1977 إثر شائعة رفع الدعم وزيادة الأسعار، وشائعة طائرة السادات وأحداث الحرس الجمهوري.
وكلها شائعات جاءت من كذبة تمكن أبطالها المضللون من تحويلها بعناية إلى حقيقة أقرها الناس، لأنها مست مشاعرهم.
والسؤال المهم هو: ما الذي يدفع الإنسان العادي لنقل تلك الأخبار المزيفة ــ وأصلها كذبة ــ دون تفكير؟، والإجابة عن هذا السؤال تكمن في مزيج من الدوافع النفسية والاجتماعية، وأولها الشعور بالانتماء، فكل من ينقل خبرا مثيرا، يشعر بأنه ناقل لمعلومات حقيقية وقد يرى أنه الوحيد الذي يملك هذه الحقيقة!! وهو ما يغذي غروره، ويوصله إلى مركز مؤقت من الأهمية في محيطه العائلي والوظيفي أو أي مكان له حضور فيه.
وهناك العواطف القوية الناتجة عن الخوف والغضب والقلق، وهى دوافع تضعف من القدرة على إعمال العقل أو التفكير المنطقي.، خصوصا أنه في أوقات الأزمات يبحث العقل عن تفسير بسيط ومخيف لحالة عدم اليقين، حتى لو كان التفسير لا يُعقل، لكنه يعطي شعورا بالسيطرة، لتبرير المخاوف، ويجعل الوضع يبدو مفهوماً، وهو ما يجعل مواجهة الشائعات اليوم، في زمن الثورة الرقمية، تطلب وعيا نقديا حادا، وأيضا قدرة على التشكيك في كل ما يطرح قبل أن يتحول إلى وباء فكري يهدد الاستقرار والسلام.
وفي النهاية، الشائعة، ليست مجرد كلام، لكنها سلاح وطريقة وتعبير عن مخاوف مجتمعات، ومساحة لاستغلال الخوف، وتفكيك الثقة، لذلك لابد من محاكمة أبطالها.
وأقول للمتلقي إن أردت حماية دولتك وحضارتك فعليك أن تتعلم كيف تميز بين الحقيقة والهلوسة، لتتمكن منة وقف هذه الموجة من الكذب قبل أن تغمرك.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا













