السعودية مهددة، ومصر تعلن استعدادها للدفاع عنها، فأين بقية العرب؟! هل ينتظرون سقوط المزيد من الخطوط الحمراء واتساع دائرة التهديدات حتى يكتشفوا أن اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي وقّعوها عام 1950 لم تتحول إلى درع يحميهم؟.
كم أزمة أخرى يحتاجون إليها قبل أن يدركوا أن الثروات والجيوش، مهما بلغت قوتها، لا تكفي وحدها لحماية دول تتعامل مع الأخطار بصورة منفردة؟
تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم بشأن استعداد مصر للدفاع عن السعودية إذا طلبت الرياض ذلك تضع القادة العرب أمام اختبار حقيقي.
المسألة أكبر من موقف مصري مساند لدولة شقيقة، وأبعد من استجابة محتملة لتهديدات تواجه المملكة.
نحن أمام فرصة لإعادة فتح ملف ظل مؤجلًا لعقود، رغم أن المنطقة دفعت أثمانًا باهظة بسبب الانقسامات والصراعات وتضارب الحسابات.
هل ينتهز العرب هذه اللحظة لإحياء اتفاقية الدفاع المشترك وبناء تكتل يحمي الجميع، أم يتركون القاهرة تتحرك وحدها، ثم يعودون إلى بيانات التضامن عندما يصل الخطر إلى أبوابهم؟
عام 1950، وقّعت الدول العربية اتفاقية الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي، على أمل أن يصبح الاعتداء على دولة عربية شأنًا يخص بقية الدول، وأن يتحول التضامن من شعار سياسي إلى التزام واضح.
لكن مرور السنوات كشف فجوة واسعة بين ما اتفقت عليه الحكومات وما استطاعت تنفيذه على الأرض، وما حدث للدول العربية منذ عام 1950 حتى اليوم شاهداً على ثمن فرقتها وضعفها.
الاتفاقية ما زالت قائمة من الناحية القانونية، غير أن وجودها لا يعني امتلاك العرب منظومة دفاع جماعي تعمل بالكفاءة المطلوبة.
هنا تكمن المفارقة، نصوص تتحدث عن الدفاع المشترك، ودول تواجه تهديدات متزايدة، بينما تظل آليات التحرك الجماعي دون مستوى الطموحات.
اليوم، تعيد تصريحات السيسي القضية إلى الواجهة، فإعلان الاستعداد للدفاع عن السعودية، إذا تقدمت الرياض بطلب رسمي، يحمل دلالة تتجاوز العلاقة بين القاهرة والرياض.
إنه يفتح الباب أمام نقاش جاد حول إمكانية الانتقال من المواقف الثنائية إلى إطار عربي أوسع، تكون فيه حماية الدول مسؤولية مشتركة، وفق قواعد واضحة تحترم سيادة كل دولة والتزاماتها الدستورية.
لكن ماذا عن بقية العواصم العربية؟ هل تجد في الموقف المصري فرصة لبناء منظومة دفاعية جديدة، أم تظل الحسابات الخاصة أقوى من أي رغبة في العمل الجماعي؟
لا أحد يتوقع أن تختفي الخلافات العربية بقرار واحد، ولا أن تتفق جميع الحكومات على كل تفاصيل الأمن والسياسة.
انتظار الإجماع الكامل قبل البدء يعني ترك الفرصة تضيع مرة أخرى. ويمكن للدول الراغبة أن تبدأ بالتنسيق الاستخباراتي والتدريب المشترك، وتعزيز الدفاع الجوي، وحماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية، ثم توسيع التعاون تدريجيًا أمام بقية الدول.
ليس المطلوب إعلان حرب، بل بناء قوة تجعل الاعتداء على أي دولة عربية مغامرة مكلفة، وتمنح المنطقة قدرة أكبر على حماية مصالحها.
الأهم أن يكون هذا التكتل عربيًا في أهدافه وقراراته، لا محورًا جديدًا يزيد الانقسامات، ولا أداة تفرض بها دولة إرادتها على الآخرين.
نجاح التكتل يتطلب قواعد ملزمة، وآليات واضحة لاتخاذ القرار، وتوزيعًا عادلًا للمسؤوليات، وإرادة سياسية لا تتراجع عند أول خلاف.
مصر تمتلك اليوم فرصة لطرح مبادرة عملية تستند إلى اتفاقية عام 1950، وتستفيد من الموقف الراهن لفتح حوار عربي حول مستقبل الأمن الجماعي.
القاهرة لا تستطيع وحدها بناء تكتل عربي؛ فالمشروع يحتاج إلى شركاء يؤمنون بأن حماية المنطقة مسؤولية مشتركة، وأن أمن كل دولة يرتبط بدرجات متفاوتة بأمن جيرانها ومحيطها.
السؤال الذي ينتظر الإجابة ليس ما إذا كانت مصر مستعدة للتحرك، بل ما إذا كان العرب مستعدين للتحرك معها.
إذا كانت هذه اللحظة لا تكفي لإعادة إحياء الدفاع العربي المشترك، فما الذي يمكن أن يدفع القادة إلى اتخاذ القرار؟ وهل ينتظرون أزمة جديدة حتى يجتمعوا، أم يستغلون ما يجري لبناء مظلة تحمي المنطقة قبل أن تتسع دائرة الخطر؟
التاريخ لن يتوقف عند التصريحات، والناس لن تقيس المواقف بعدد البيانات.
الوضع الراهن سوف يكشف ما إذا كان العرب قد امتلكوا الإرادة لتحويل اتفاقية قديمة إلى قوة حقيقية، أم يتركون مصر تتحرك وحدها، ثم يعودون إلى بيانات التضامن عندما يصل الخطر إلى أبوابهم؟














