مصر من أقدم دول العالم في السكة الحديد. أول قطار مشى على أرضها كان في عام 1854، قبل دول كثيرة جداً.
لكن هذه الأقدمية لم تتحول إلى أمان. تحولت مع مرور السنين إلى سجل طويل من الحوادث، كل حادث فيه اسم مكان، وتاريخ، وعدد ضحايا، ووزير يستقيل، ووعد بالتطوير.. ثم حادث جديد.
هذا هو تأريخ القطارات في مصر في القرن الحادي والعشرين.
2002.. الكارثة التي لا تُنسى
في فجر 20 فبراير 2002، ليلة العيد، القطار رقم 832 من القاهرة إلى أسوان.
اندلع حريق في إحدى العربات عند العياط، بسبب انفجار موقد غاز في البوفيه. القطار لم يتوقف. مشى 9 كيلومترات والنار تأكل العربات.
احترقت 7 عربات كاملة. الحصيلة الرسمية: 361 قتيلاً و66 مصاباً. لكن مصادر كثيرة قالت إن العدد أكبر بكثير، لأن القطار كان يحمل نحو 3000 راكب، ضعف سعته.
استقال وزير النقل إبراهيم الدميري. ووعدت الحكومة بخطة خمسية للتطوير.
2006 – 2007.. التصادمات تعود
– فبراير 2006: تصادم قطارين قرب الإسكندرية، 20 مصاباً.
– أغسطس 2006: تصادم قطاري المنصورة – القاهرة، الحصيلة الرسمية 51 قتيلاً، ومصادر أمنية قالت 80.
– يوليو 2007: تصادم قطاري قليوب شمال القاهرة، 58 قتيلاً و140 مصاباً. من أبشع حوادث التصادم.
2009.. العياط مرة أخرى
24 أكتوبر 2009، تصادم قطارين في العياط على خط القاهرة – أسيوط، قطار متوقف اصطدم به آخر من الخلف، انقلاب 4 عربات، 30 قتيلاً و58 مصاباً. استقال وزير النقل محمد لطفي منصور.
2012.. عام الأطفال
– نوفمبر 2012 – الفيوم: تصادم قطارين، 4 قتلى.
– 17 نوفمبر 2012 – منفلوط، أسيوط: الكارثة الأفظع إنسانياً. قطار اصطدم بحافلة مدرسية عند مزلقان المندرة. 50 طفلاً ماتوا، مع سائق الحافلة ومُدرّسة. مصر كلها بكت.
استقال وزير النقل رشاد المتيني.
2013.. عام البدرشين
– 14 يناير 2013: انقلاب عربة قطار تجنيد في البدرشين، 17 مجنداً ماتوا، وأكثر من 100 مصاب.
– نوفمبر 2013: قطار يصطدم بسيارتين، 27 قتيلاً و30 مصاباً.
2016 – 2018.. نزيف مستمر
– سبتمبر 2016: خروج قطار عن القضبان في العياط عند البليدة، 5 قتلى و27 مصاباً.
– 11 أغسطس 2017: تصادم قطاري خورشيد قرب الإسكندرية، 41 قتيلاً و179 مصاباً.
– فبراير 2018: تصادم في كوم حمادة بالبحيرة، 12 قتيلاً و39 مصاباً.
2019.. النار في قلب القاهرة
27 فبراير 2019، الساعة التاسعة صباحاً، محطة مصر في رمسيس.
جرار رقم 2302 تحرك بدون سائق، بعد مشاجرة بين سائقين في حوش المحطة. اندفع بسرعة نحو رصيف 6، اصطدم بالمصد الخرساني، انفجر خزان السولار، واشتعلت النار في المحطة كلها.
21 قتيلاً و52 مصاباً، حسب الحصيلة الرسمية. استقال وزير النقل هشام عرفات بعد ساعات.
كانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها المصريون الموت داخل محطتهم الرئيسية، وليس على خط بعيد.
2021.. عام سوهاج وطوخ
– 26 مارس 2021 – طهطا، سوهاج: قطار من أسوان اصطدم بقطار متوقف، خروج 3 عربات عن القضبان، 19 قتيلاً و199 مصاباً. التحقيقات كشفت أن أحد السائقين أغلق جهاز التحكم الآلي لكي يسرع، ومساعده كان يتعاطى ترامادول.
– 18 أبريل 2021 – طوخ: خروج 4 عربات عن القضبان، 23 قتيلاً و139 مصاباً.
2023 – 2024.. القطار لا يتوقف
– 7 مارس 2023 – قليوب: قطار يصطدم بنهاية الرصيف، 4 قتلى و23 مصاباً.
– 14 سبتمبر 2024 – الزقازيق: تصادم قطارين، 3 قتلى و40 مصاباً.
– 13 أكتوبر 2024: انقلاب عربتين من قطار النوم القادم من أسوان في المنيا.
2025 – 2026.. وما زال النزيف
– أغسطس 2025 – مطروح: انقلاب قطار 1935 بين فوكة وجلال، 3 قتلى و103 مصابين.
– 8 نوفمبر 2026 – جرزا، العياط – اليوم: تصادم القطار رقم 134 بمؤخرة القطار رقم 2010 المتجه من القاهرة إلى أسوان، 7 قتلى و112 مصاباً، حسب آخر بيان لوزارة الصحة.
نفس المكان.. العياط. نفس السيناريو.. تصادم من الخلف. بعد 24 سنة من كارثة 2002.
لماذا تتكرر الحوادث؟
الإحصاءات الرسمية تقول إن مصر سجلت 12,236 حادث قطار بين 2006 و2016 فقط. وفي 2017 وحده 1793 حادثاً.
الأسباب لا تتغير:
1. العنصر البشري: إهمال، نوم، مخدرات، تجاوز إشارات.
2. البنية القديمة: شبكة عمرها 170 سنة، ومزلقانات بلا تطوير.
3. الإشارات والتحكم: غياب نظام تحكم آلي كامل يمنع الخطأ البشري.
4. التطوير البطيء: كل حادث يأتي بعده وعد بالتطوير، ثم يتوقف التمويل.
الخلاصة
قطارات مصر ليست مجرد وسيلة نقل. هي حياة ملايين المصريين الفقراء، الذين لا يملكون غيرها.
كل حادث فيها ليس رقماً في بيان وزارة الصحة. هو أب لم يعد لبيته، وطفل لم يصل لمدرسته، وأم تنتظر على الرصيف.
التاريخ يقول لنا شيئاً واحداً: المشكلة ليست في القطار.. المشكلة في أننا لم نتعلم من القطار الذي سبقه.
وحتى نتعلم، سيبقى سجل العياط مفتوحاً، وسجل سوهاج، وسجل رمسيس.











