تتزايد الضغوط الأمريكية على مصر منذ عودة دونالد ترامب للحكم بشكل كبير، وفي المقابل يزداد الموقف المصري صلابة وقوة مستنداَ على ثوابت لا تتغير خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والأمن القومي للبلاد.
تواجه مصر في الآونة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في تلك الضغوط التي تتنوع بين السياسية والاقتصادية، مستندة إلى ملفات حقوق الإنسان، والتعاون العسكري، والموقف من الأزمات الإقليمية، خاصة في ظل الأوضاع المتوترة في الشرق الأوسط.
إلا أن الموقف المصري يبدو أكثر قوة في مواجهة تلك التحديات، مستندًا إلى رؤية وطنية مستقلة تستند إلى المصالح الاستراتيجية للدولة المصرية.
تتمثل الضغوط الأمريكية على مصر في عدة ملفات رئيسية:
* حقوق الإنسان والمساعدات العسكرية: تمارس واشنطن ضغوطًا متزايدة على القاهرة فيما يتعلق بملف الحريات السياسية وحقوق الإنسان، وتستخدم في ذلك ورقة المعونة العسكرية التي تبلغ 1.3 مليار دولار سنويًا، حيث قامت في بعض الأحيان بتجميد أجزاء منها للضغط على الحكومة المصرية.
* التوجهات الإقليمية: تسعى الولايات المتحدة لدفع مصر لاتخاذ مواقف تتماشى مع رؤيتها للمنطقة، سواء فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي أو الأزمة في السودان وليبيا، إلا أن القاهرة تتبنى سياسة متوازنة تقوم على دعم الاستقرار الإقليمي بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.
كشفت صحيفة معاريف الإسرائيلية، أن ترامب قال إنه يستطيع حل مشكلة سد النهضة، مقابل موافقة مصر على تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، مما يكشف حقيقة الدور الأمريكي الصهيوني في بناء السد للتأثير على مقدرات مصر المائية.
مصر لديها عدة أوراق ضغط يمكن أن تستخدمها لموازنة الضغوط الأمريكية، سواء على المستوى الإقليمي أو الاقتصادي أو العسكري، ومن أبرزها:
الدور الجيوسياسي والإقليمي
* الملف الفلسطيني: تلعب مصر دورًا حاسمًا في القضية الفلسطينية، خاصة فيما يتعلق بالوساطة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل. ويمكنها إعادة النظر في سياساتها تجاه هذا الملف بما يؤثر على المصالح الأمريكية في المنطقة.
* قناة السويس: تُعد القناة أحد أهم الممرات الملاحية العالمية، ويمكن لمصر اتخاذ إجراءات تُبطئ مرور السفن الأمريكية أو فرض ترتيبات جديدة على العبور، مما قد يؤثر على التجارة العالمية.
* العلاقات مع روسيا والصين: توسيع التعاون العسكري والاقتصادي مع موسكو وبكين، خاصة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا، قد يُقلق واشنطن ويدفعها لإعادة تقييم ضغوطها.
التعاون العسكري وصفقات الأسلحة
تمتلك مصر أحد أقوى الجيوش في المنطقة وتعتمد على تنويع مصادر تسليحها، ويمكنها زيادة مشترياتها من السلاح الروسي والصيني كبديل عن الأسلحة الأمريكية، مما قد يقلل النفوذ الأمريكي في المنطقة.
الاقتصاد والاستثمارات
* الاستثمارات الأجنبية: مصر يمكنها تعزيز علاقاتها مع قوى اقتصادية أخرى مثل الاتحاد الأوروبي ودول الخليج، وتقليل الاعتماد على المساعدات الأمريكية.
* التعاون في قطاع الطاقة: مصر أصبحت لاعبًا رئيسيًا في قطاع الغاز شرق المتوسط، ويمكنها إعادة النظر في سياساتها تجاه الشركات الأمريكية أو تعزيز التعاون مع دول أخرى مثل روسيا وإيران.
الملف الأمني ومكافحة الإرهاب
لمصر دور أساسي في مكافحة الإرهاب وتأمين المنطقة، خاصة في سيناء وليبيا. أي تخفيف للتعاون الأمني مع واشنطن قد يؤثر على المصالح الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط.
العلاقات مع إيران
رغم العلاقات غير الوثيقة تاريخيًا بين مصر وإيران، فإن التقارب بين البلدين قد يكون ورقة ضغط إضافية يمكن أن تُقلق واشنطن وحلفاءها في المنطقة.
وعموما ورغم هذه الضغوط، فإن الموقف المصري لا يبدو متأثرًا بها بشكل كبير، بل يزداد صلابة بمرور الوقت، وذلك للأسباب التالية:
* تنويع الشراكات الدولية: لم تعد مصر تعتمد فقط على العلاقات مع الولايات المتحدة، بل عززت تعاونها مع دول مثل الصين وروسيا وفرنسا، مما منحها مساحة أكبر للمناورة السياسية.
* التنمية الاقتصادية والمشروعات القومية: اعتمدت مصر على استراتيجيات إصلاح اقتصادي، مثل مشروعات البنية التحتية وتطوير محور قناة السويس، مما قلل من الحاجة للاعتماد على المساعدات الخارجية.
* الدور الإقليمي القوي: تلعب مصر دورًا حيويًا في حل الأزمات بالمنطقة، سواء في القضية الفلسطينية أو الملف الليبي والسوداني، مما يجعلها طرفًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه.
* الدعم الشعبي والاستقرار الداخلي: رغم التحديات الاقتصادية، فإن مصر تتمتع باستقرار سياسي نسبي ودعم شعبي لسياسات الدولة في مواجهة الضغوط الخارجية.
باختصار.. يبدو أن الضغوط الأمريكية على مصر لن تتوقف، لكنها أيضًا لن تغير من نهج القاهرة المستقل الذي يضع المصالح الوطنية فوق أي اعتبارات خارجية.
مصر تمتلك أدوات قوية تجعلها قادرة على مواجهة الضغوط الأمريكية، لكن استخدامها يعتمد على توازن دقيق بين مصالحها وعدم التصعيد إلى مستويات تؤثر على استقرار العلاقات الثنائية.