منذ أكثر من مئة عام، خرج علينا اللورد آرثر بلفور بوعده المشؤوم، ومنح من لا يملك لمن لا يستحق، وكأن فلسطين كانت عقارًا ورثه عن جدته، فوقع بيده اليسرى وعدًا لليهود، بينما كانت يده اليمنى تحاول تهدئة العرب بكلمات معسولة عن الحقوق والوعود والعدالة!
واليوم، وبعد قرن من الزمن، جاء دونالد ترامب ليكمل المسيرة، لكن بطريقته الخاصة التي تشبه مقاولًا قرر أن يهدم عمارة بكاملها ليبني عليها كازينو للقمار!
ترامب فظ اللسان غليظ القلب متقلب المزاج لا يحب المقدمات، ولا يجيد استخدام الكلمات الناعمة، بل يفضل لغة الصفقات: «خذ القدس كلها، وخذ الجولان على البيعة، وإن أردت المزيد فانتظر التخفيضات الموسمية!».
التاريخ يعيد نفسه، ولكن بطريقة أكثر كوميدية!.. بلفور، على الأقل، كان دبلوماسيًا أنيقًا، يكتب رسائله بالحبر المخملي، ويختار كلماته بعناية كي لا يُغضب العرب تمامًا، أما ترامب، فقد قرر أن يكون صريحًا أكثر من اللازم، وكأنه يقول للصهاينة: «اسمعوا يا جماعة، نحن لم نعد نهتم بالمظاهر، خذوا ما تريدون، والباقي في الطريق!».
وما بين بلفور وترامب، ضاعت فلسطين، وضاعت هيبة العرب ونخوتهم.. بلفور منح الوعد بورقة، وترامب منحه بتغريدة على تويتر!
بلفور احتاج إلى وزراء وسفراء لمناقشة القرار، بينما ترامب احتاج إلى ابنته إيفانكا وزوجها كوشنر ليصيغوا «صفقة القرن» كما لو كانوا يخططون لحفل زفاف فاخر!
ولكن، إن كنا قد تعلمنا شيئًا من التاريخ، فهو أن الحقوق لا تُوهب، بل تُنتزع، وأن من يسكت اليوم سيجد نفسه غدًا بلا أرض ولا هوية.
وحتى نتعلم، لابد من تكتل عربي وإسلامي، وموقف موحد يردع «ترامب العصر» الذي ينكر العهود ولا يعرف الوعود.
العالم لا يحترم إلا القوي، والسياسة ليست عالماً للمثالية والشعارات، بل للمصالح والمواقف الحاسمة.
باختصار.. إما أن نكون أمة تقرر مصيرها، أو نبقى ننتظر وعدًا جديدًا.. ربما من رئيس أمريكي قادم يقرر منح فلسطين كلها لمالك جديد، كأنها رقعة شطرنج يوزعها كيفما شاء!
اللي خده بلفور، يخده ترامب.. فهل نتعلم الدرس أم ننتظر فصلًا آخر من المسرحية؟














