ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد عدوان عسكري على بقعة جغرافية محددة، بل هو جزء من سياق أوسع يرتبط بكل الحروب والقلاقل التي شهدتها دول الشرق الأوسط لعقود.
الصراع في هذه المنطقة لم يكن يومًا عشوائيًا أو منفصلًا عن المخططات الكبرى التي تُحاك في أروقة السياسات العالمية، حيث تتداخل المصالح الدولية مع الأجندات الإقليمية، ويتحول الدم العربي إلى وقود لمشاريع الهيمنة والسيطرة.
إن تحالف الصهيونية مع الإدارة الأمريكية ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لاستراتيجية ممتدة تهدف إلى إعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط وفق ما يخدم مصالح قوى الاستعمار الجديد.
والمثير للقلق أن هذا المخطط لم يكن ليجد طريقه إلى التنفيذ لولا تورط بعض الأنظمة الإقليمية التي تلعب دور «أخوة يوسف»، حيث تسهل تمرير هذه المشاريع وتحاصر كل مقاومة تسعى لعرقلتها.
لقد عرف التاريخ نماذج متعددة لأخوة يوسف، حيث تتكرر ذات السيناريوهات بأشكال مختلفة، ففي كل مرحلة يظهر من يتآمر على قضيته بحجج وذرائع واهية، متناسيًا أن التاريخ لا يرحم، وأن مصائر الخونة دائمًا ما تكون عبرة لمن يعتبر.
ومع ذلك، فإننا على يقين بأن إرادة الشعوب لا تُهزم، وأن كل المخططات مهما بدت محكمة ومسنودة، ستتحطم أمام صخرة الصمود، كما أن لكل مرحلة يوسفها الذي ينقذه الله من غيابات الجب ليعود عزيزًا في النهاية.
إن الأحداث الجارية في غزة تعيد إلى الأذهان كل المؤامرات التي حيكت ضد دول المنطقة، من العراق إلى سوريا واليمن وليبيا والسودان، حيث يسعى التحالف الصهيو-أمريكي، بمساعدة عملائه الإقليميين، إلى تمزيق وحدة الشعوب وتفتيت الدول وإضعاف أي مقاومة حقيقية لهذا المشروع.
وما يحدث في اليمن والسودان ليس إلا استمرارًا لهذا المخطط الذي يهدف إلى إغراق المنطقة في الفوضى وإضعاف أي قوة قادرة على التصدي لهذه المشاريع الاستعمارية.
وفي سوريا، نرى كيف تحولت البلاد إلى ساحة للصراعات الدولية، حيث تداخلت الأجندات الإقليمية والدولية، وسُمح لتنظيمات متطرفة بالنمو والتوسع لتبرير التدخلات الخارجية. أما ليبيا، فهي نموذج آخر للدول التي تم استهدافها تحت ذرائع مختلفة، لكن الهدف النهائي كان دائمًا تفكيك الدولة وإضعافها.
حتى تركيا، رغم كونها لاعبًا إقليميًا رئيسيًا، إلا أنها لم تكن بمنأى عن محاولات زعزعة استقرارها عبر انقلابات سياسية وحروب اقتصادية، في إطار السعي لإبقاء المنطقة بأكملها تحت السيطرة.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الضغوط التي تتعرض لها مصر، حيث تواجه تحديات متزايدة على أكثر من جبهة. فاقتصاديًا، تتعرض مصر لمحاولات إنهاكها عبر سياسات تضييق وإجراءات تهدف إلى التأثير على استقرارها الداخلي. وأمنيًا، تواجه تهديدات تمتد من حدودها الغربية مع ليبيا إلى حدودها الجنوبية مع السودان، فضلًا عن محاولات فرض أجندات خارجية تتعارض مع مصالحها القومية.
إن الدور المصري في الدفاع عن الأمن القومي العربي يجعلها هدفًا دائمًا لمحاولات الابتزاز والضغوط السياسية، إلا أن ثبات الموقف المصري يظل ركيزة أساسية في إفشال هذه المخططات.
باختصار.. ما يجري في المنطقة اليوم هو تنفيذ عملي لمشروع تفكيك الشرق الأوسط وإعادة تشكيله بما يخدم مصالح القوى الكبرى. فالهدف ليس فقط السيطرة على الموارد والثروات، بل أيضًا إضعاف أي دولة تمتلك مقومات النهوض.
كل الحروب والأزمات التي نشهدها، من غزة إلى اليمن والسودان وسوريا وليبيا وحتى الضغوط على مصر، ليست سوى أدوات لهذا المخطط الكبير.
رغم شراسة هذه المخططات، فإن التاريخ أثبت أن الشعوب الحية قادرة على التصدي لها، وأن المشاريع الاستعمارية مهما بلغت قوتها لا تستطيع أن تلغي إرادة الأمم.
التحدي الحقيقي اليوم هو توحيد الصفوف، وتعزيز الوعي، ومقاومة كل محاولات التفتيت، لأن بقاء الأمة مرتبط بقدرتها على المواجهة والصمود. وكما أنقذ الله يوسف من كيد إخوته، ستنجو الأمة من هذه المحن، وسينتصر الصمود على التآمر.