استكمالًا لسلسلة قصتي مع أهل القرآن الكريم، تأتي حلقة اليوم مع واحدٍ من القراء الذين لا يمكن المرور عليهم مرورًا عابرًا، قارئ ترك بصمة استثنائية في تاريخ دولة التلاوة المصرية، وبصم صوته وقراءته في الذاكرة الوطنية والدينية معًا، حتى بات اسمه مرتبطًا بلحظة فارقة لا ينساها مصري ولا مسلم.
وقبل أن أبدأ، أؤكد – كما أكدت دائمًا – أنني هنا لا أكتب تاريخًا رسميًا، ولا أسجل سيرة ذاتية، ولا أؤرخ لميلاد أو وفاة أو مناصب، وإنما أسجل قصتي أنا، علاقتي أنا، إحساسي أنا، ارتباطي الروحي والوجداني بهؤلاء القراء، لا أكثر ولا أقل.
حديثي اليوم عن أحد المجددين الكبار في دولة التلاوة المصرية، بل أزعم أنه يكاد يكون أول المجددين الحقيقيين فيها، القارئ المبدع؛ فضيلة الشيخ محمد أحمد شبيب.
مجرد ذكر اسم الشيخ شبيب، تقفز إلى الذاكرة – بلا استئذان – حرب أكتوبر 1973.
ذلك الفجر الخالد، فجر السادس من أكتوبر، حين ارتبط صوت القرآن بصوت المعركة، وامتزج الإيمان بالفعل، وكانت التلاوة جزءًا من روح النصر.
لا أظن أن مصريًا عاش تلك اللحظة أو سمع تسجيلها بعد ذلك إلا واستقرت في أذنه ووجدانه آيات من سورة آل عمران … (وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ (157) وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ (158)
وتكرارها، وتأكيدها، وقراءتها بالقراءات العشر، في مشهد لم يكن مجرد تلاوة، بل كان خطابًا عقائديًا كاملًا، موجَّهًا للقلوب قبل الآذان.
كلما أسمع هذه القراءة، أشعر – بصدق – وكأنني كنت حاضرًا تلك اللحظة، واقفًا بين الجنود، أستمع للقرآن وهو يهيئ النفوس لفكرة راسخة في عقيدة المسلمين … إما النصر … وإما الشهادة، وكلاهما نصر.
لم تكن قراءة الشيخ شبيب في ذلك الفجر اختيارًا عشوائيًا، ولم تكن أداءً صوتيًا فحسب، بل كانت وعيًا باللحظة، وفهمًا للآية، وإدراكًا لدور التلاوة في شحذ الهمم وربط الأرض بالسماء.
كان يقرأ القرآن وكأنه يترجمه إلى طاقة روحية تسري في الأجساد.
وعندما تتبع الشيخ محمد أحمد شبيب في قراءاته الأخرى، بعيدًا عن لحظة أكتوبر، تكتشف أنك أمام علم من أعلام دولة التلاوة لم ينل – للأسف – ما يستحقه من اهتمام وانتشار، رغم أنه واحد من أهم الأصوات التي مرت على مصر.
دولة التلاوة المصرية، كما نعلم، سارت لسنوات طويلة على نهج محدد، صنعه الكبار من الرواد، وجاء الشيخ شبيب ليُحدث اختراقًا فنيًا حقيقيًا.
لم يهدم، ولم يتمرد، لكنه جدّد من الداخل.
جاء بنمط جديد في الأداء، نمط آسر، مختلف، مدهش.
صوت يحمل مسحة ملائكية، رقيقًا حينًا، قويًا حينًا، عميقًا دائمًا.
صوت يأخذك من أول آية إلى آخرها دون أن تشعر بالوقت، وكأنك انتقلت إلى عالم آخر، عالم لا يشبه سواه.
كان الشيخ شبيب حريصًا – في تسجيلاته وقراءاته – على أن تعيش الآية، لا أن تسمعها فقط.
يأخذ بيدك إلى المعنى، ثم يطوف بك في ظلاله، وألوانه، ومشاعره، وتقلباته.
تسمع منه القرآن حيًا نابضًا، لا مجرد نص يُتلى.
ولهذا، أراه واحدًا من أهم المجددين في تاريخ التلاوة المصرية؛ لأنه أضاف دون أن يلغِي، وطوّر دون أن يجرح الأصل، وابتكر دون أن يخرج عن قدسية النص وجلاله.
قدّم الشيخ محمد أحمد شبيب للإذاعة المصرية، وللتلفزيون المصري، وللأمة الإسلامية كلها، عشرات بل مئات التسجيلات القرآنية، التي تمثل ثروة حقيقية وتراثًا خالدًا، لا يقل قيمة عن تراث كبار الرواد المعروفين.
هذا التراث، في رأيي، مفخرة لدولة التلاوة المصرية، ودليل على قدرتها الدائمة على التجدد، وعلى إنجاب أصوات تحمل القرآن بوعي، وتقدمه بروح العصر دون أن تمس جوهره.
رحم الله فضيلة القارئ الشيخ محمد أحمد شبيب، وجعل ما قرأ، وما علّم، وما بثّه من روح وإيمان في ميزان حسناته،
وكتبه من قرّاء القرآن في الجنة،
وجزاه عن القرآن وأهله خير الجزاء،
وبارك في كل من سار على نهجه، واستلهم مدرسته، وأدرك قيمة التجديد المنضبط.
وإلى الغد …
في حلقة جديدة من قصتي مع أهل القرآن الكريم، حكاية الوفاء، لا التأريخ، وحكاية القلب، لا السجلات.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














