مع عودته إلى البيت الأبيض، يثبت دونالد ترامب مجددًا أنه بارع في تحويل الأزمات إلى فرص اقتصادية، ولكن لصالح من؟ فبعد وعوده السابقة التي ترجمت إلى اتفاقات بمئات المليارات، جاءت ولايته الجديدة لتشهد تدفقات استثمارية خليجية غير مسبوقة إلى الولايات المتحدة، وسط تساؤلات حول مدى استفادة الدول العربية من هذه الصفقات، وما إذا كانت تُعزز أمنها أم تُستخدم لتكريس الهيمنة الأمريكية على مقدراتها.
في يناير 2025، تعهد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بضخ 600 مليار دولار في استثمارات جديدة، ارتفعت إلي تريليون دولار داخل الولايات المتحدة، في مجالات تشمل الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية.
هذه الخطوة جاءت عقب مكالمة هاتفية مع ترامب، حيث أكد الأخير أن واشنطن تظل الشريك الاقتصادي الأهم للرياض.
الإمارات لم تتأخر كثيرًا عن الركب، إذ أعلنت عن برنامج استثماري يمتد لعشر سنوات بقيمة 1.4 تريليون دولار، يركز على الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والطاقة.
ومن بين أبرز الصفقات، استثمار بقيمة 25 مليار دولار في البنية التحتية للطاقة بالشراكة مع “Energy Capital Partners”، بالإضافة إلى مشاريع كبرى لتطوير تصدير الغاز الطبيعي الأمريكي.
قطر أيضًا عززت حضورها المالي عبر صفقة تسليح ضخمة، حيث حصلت على موافقة مبدئية لشراء ثماني طائرات مسيرة من طراز “MQ-9B Predator” بقيمة 2 مليار دولار، وهو ما يثير التساؤلات حول الوجهة الحقيقية لهذه الطائرات ودورها في التوازنات الإقليمية.
أما البحرين، فقد ظلت أقل انخراطًا في هذه الموجة الاستثمارية، مع غياب صفقات بارزة حديثة على الساحة الأمريكية.
تمتلك دول الخليج صناديق سيادية عملاقة، تتحكم في أصول تتجاوز تريليونات الدولارات، لكنها تبقى مرهونة بتحولات السياسة الأمريكية. فمع تزايد الضغوط السياسية، يثار السؤال حول مدى قدرة هذه الدول على الحفاظ على سيادتها المالية، خاصة في ظل اعتماد استثماراتها على بيئة تنظيمية أمريكية قد تتغير وفق مصالح البيت الأبيض.
تاريخيًا، لم تكن استثمارات الخليج في الولايات المتحدة مقتصرة على التنمية الاقتصادية، بل كان نصيب كبير منها يذهب إلى صفقات تسليح ضخمة.
ومع استمرار الصراعات في المنطقة، فإن هذه المليارات تتحول إلى معدات عسكرية قد لا تُستخدم في الدفاع عن المصالح العربية، بل ربما تساهم في صراعات تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي، كما هو الحال في التصعيد المستمر بـ غزة.
لا يعد الرهان على الإدارة الأمريكية أمرًا جديدًا في السياسات الخليجية، لكن التاريخ مليء بالدروس التي تؤكد أن الاعتماد المفرط على واشنطن قد يؤدي إلى فقدان القرار السيادي. فهل تستفيد الدول العربية من هذه التجربة، أم أنها تستمر في ضخ ثرواتها إلى الغرب دون مقابل حقيقي؟
مع ولاية ترامب الجديدة، من المتوقع أن تزداد المطالب المالية المفروضة على دول الخليج، سواء من خلال استثمارات إجبارية أو عقود تسليح ضخمة.
ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة العرب على إعادة توجيه ثرواتهم بما يخدم مصالحهم الوطنية، بدلًا من استخدامها كورقة في لعبة التوازنات الأمريكية.
ويبقى السؤال الأهم: هل يُدرك العرب أنهم يسلّمون ثرواتهم للذئب، أم أن الحكاية ستعيد نفسها من جديد؟