في خضم أتون النار والدمار، وأمام مشهد يكاد لا يُصدّق من القسوة والقتل والدموع، تظل غزة، رغم الجراح، شاهدة على قضية لا تموت، ونضال لا ينكسر.
يتساءل البعض، تحت ضغط الهجمة المسعورة والتواطؤ الدولي، هل تُمحى غزة من الخريطة؟ وهل يُطوى ملف القضية الفلسطينية إلى الأبد؟
الجواب، باختصار، هو: لا. ليس من منطلق العاطفة أو الأمل الأجوف، بل من منطلق التاريخ، والواقع، ووعد الله الحق.
وفي خضم هذه المعركة المصيرية، يبرز الموقف المصري العروبي بقوة ووضوح. لم تكن مصر يومًا على هامش القضية، بل في قلبها، تدافع عنها وتحمي عمقها. واليوم، تعلن موقفها الرافض لكل مشاريع التهجير وتصفية القضية، وتُغلق أبوابها أمام أي حديث عن توطين أو بدائل، إنها مصر كلمة الحق في زمن كاذب.
تقول بلسان الدولة والشعب: غزة ليست للبيع، وفلسطين ليست صفقة، وأرض مصر ليست بديلًا عن وطنٍ مغتصب. هذا الموقف المبدئي يعبّر عن فهم عميق لطبيعة المعركة، ويُعيد ضبط البوصلة نحو جوهر القضية «الأرض والكرامة».
غزة، تلك الرقعة الصغيرة المحاصرة، التي تخنقها الآلة العسكرية منذ سنوات، تنهض دائمًا من تحت الرماد، كما طائر العنقاء. في كل مرة تُضرب، تنهض من جديد.
يسكنها أكثر من مليونَي إنسان بلا سلاح يُذكر، ويواجهون أقوى الجيوش وأعتى العدوان، ويصمدون.
ليست هذه معجزة فقط، بل دليل على أن هناك ما هو أقوى من الحديد والنار، الإيمان بالقضية، التمسك بالأرض، واليقين بعدالة الحق.
القضية الفلسطينية لم تكن يومًا خلافًا سياسيًا عابرًا، بل هي صراع وجود وهوية، وجذرها ممتد في أعماق التاريخ والدين، يشهد لها الحق والضمير الإنساني. ورغم محاولات طمسها، تعود إلى الواجهة كلما اشتدت الأزمات، وتثور لها الضمائر، وترتفع معها الأصوات، وتُرفع الأعلام في العواصم.
في هذا السياق، يأتي وعد الله الحق ليكون البوصلة التي تهدي القلوب وتُثبّت الأرواح. قال تعالى: «وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ».
ليس وعدًا شعبيًا أو شعارًا عاطفيًا، بل حقيقة راسخة، تجلت في مواقف التاريخ، وستتجلى مجددًا. نعم، سقطت القدس مرة، وانهار الأمل مرات، لكن لم تمت القضية، ولم يُنسَ الوطن.
وهنا تتجلى نظرة الأديان السماوية – وبخاصة الإسلام – في تأصيل هذا الصراع ووصف مراحله بدقة من العلو إلى الانكسار. في سورة الإسراء، يقول الله عز وجل:
« فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا».
إنها دورة سننية واضحة، العلو المؤقت للظالمين، يعقبه انهيار حتمي. فالمؤمن يعلم أن الباطل قد يتمدد، لكنه لا يستمر، وأن الظلم قد ينتفش، لكنه إلى زوال.
من هذه الرؤية نستخلص عبرًا ودروسًا بالغة الأهمية:
غزة اليوم تمثل كربلاء العصر، صمودًا في وجه الطغيان، وصوتًا للحق في زمن صاخب بالكذب.
العجز الرسمي العربي ليس قدرًا مقدورًا، فالشعوب حين تنتفض، تستطيع أن تقلب الموازين.
والاحتلال، مهما طال، زائل لا محالة، كما زال غيره في صفحات التاريخ.
وفي زمن الصورة والكلمة، لم يعد الإعلام مجرد ناقل، بل صار جبهة متقدمة في المعركة. لقد كشفت الكاميرات الهواتفية جرائم الاحتلال، وهزّت الضمائر حول العالم. أصبح صوت الطفل الفلسطيني أقوى من آلة الحرب، وأضحت المنشورات والتغريدات قذائف وعي تصيب الرواية الزائفة في مقتل.
كما أن تفاعل الشعوب مع القضية، من الشارع العربي إلى ميادين أوروبا وأمريكا اللاتينية، أثبت أن فلسطين ليست وحدها، وأن غزة وإن اختنقت بالموت، تتنفس بالحناجر الحرة من أقصى الأرض إلى أقصاها.
وفي الختام، نقول بثقة ويقين: لا، لن تفنى غزة. قد تُهدم البيوت، وتُقطع المياه والكهرباء، وتُهجّر العائلات، لكن لا تُهزم الروح.
غزة التي صمدت في وجه العاصفة، لن تكون نهاية فلسطين، بل بوابة حريتها.
وعد الله الحق، وما النصر إلا صبر ساعة، وإن بعد الظلمة نور، وإن بعد العتمة فجر.











