في واحدة من أكثر التصريحات إثارة للقلق، خرج رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي مؤخراً ليقول: «لا أحد يستطيع التنبؤ بما سيحدث غدًا، وليس هناك أحد قادر على وضع رؤية لشهر مقبل، كل يوم هناك تغير»، بسبب حالة عدم اليقين التي يمر بها العالم، وهو تبرير يبدو أقرب للاعتراف بالعجز منه إلى تقديم مبرر منطقي لغياب الرؤية.
ورغم أن المشهد العالمي مضطرب فعلًا، إلا أن ما قيل يكشف عن غياب الثقة في أدوات الدولة ذاتها. فهل يعقل أن تتحدث حكومة مسؤولة عن أكثر من 100 مليون مواطن بهذا القدر من الارتباك وكأنها شركة خاصة تفاجأ كل صباح بأسعار البورصة؟
وهل يُقبل أن تتعامل حكومة دولة بحجم مصر مع الأزمات بنفس منطق بائع تجزئة ينتظر الزبائن أولًا ثم يقرر خطته؟
الدول لا تُدار بردود الأفعال، ولا بفقه «الظروف مش سامحة». هناك دائمًا مساحة للتخطيط، حتى في أحلك اللحظات. المهم هو الإرادة، والكفاءة، والقدرة على الامساك بزمام الأمور.
أما الاكتفاء بالوقوف في منتصف الطريق بين الاعتراف بالمشكلة وانتظار المعجزة، فهو تخبط مدمر، يدفع ثمنه المواطن العادي في كل شؤون حياته.
ثم إن فكرة أن «العالم غير مستقر» لا تصلح لتبرير غياب الرؤية، بل هي الدافع الحقيقي لوجودها. فكلما زادت المخاطر، تعاظمت الحاجة إلى وضوح الاتجاه.
أما أن نغلق دفاتر التخطيط لأن الرياح شديدة، فذلك يعني ببساطة أننا تركنا الدفّة، وارتضينا أن نُقاد لا أن نقود.
والأخطر من ذلك أن الدولة بدأت تُدار ـ أو هكذا يبدو ـ على طريقة «أكشاك البقالة» ومشروعات اليوم بيوم، وكأننا أمام إدارة تُراهن على لقطة هنا وفرصة هناك، لا على رؤية وطنية متكاملة.
لا يمكن لدولة بحجم وتاريخ وموقع مصر أن تُدار بمنطق البورصات اليومية، ترتفع وتنخفض وفق مؤشر عابر أو تصريح خارجي.
الدولة ليست سوقاً لحظياً ولا مشروعات صغيرة تُقيم أرباحها كل مساء، بل كيان ممتد، بحاجة إلى سياسات ثابتة، وتخطيط طويل المدى، ومؤسسات تعمل بعقل استراتيجي لا بردود الأفعال.
إن أخطر ما في هذه التصريحات أنها تُمهد لتطبيع حالة التخبط، وكأن إدارة الدولة أصبحت مشروطة بما تطرحه الأيام، لا بما تُخطط له العقول. وهذا مسار لا يقود إلا لمزيد من الغموض، والقلق، وربما فقدان الثقة.
نحن لا نطالب بالمستحيل، بل بالمسؤولية. لا ننتظر من الحكومة أن تتنبأ بالغيب، بل أن تضع سيناريوهات، أن تجهز خططاً، أن تتعامل مع المجهول بما يُتاح من أدوات علم وإدارة وخبرة.
أما ترك الأمور لمجرد «ربنا يسهل» و«بنشوفها وقتها»، فهي وصفة للانهيار، لا إدارة أزمة.
باختصار.. إذا كانت الحكومة لا تستطيع وضع رؤية لشهر، فكيف نثق بأنها تخطط لعام أو عقد؟ وإذا غابت البوصلة عن القبطان، فمن يضمن ألا تتحطم السفينة؟
على الحكومة أن تُعيد النظر في أدواتها، وأن تعي أن الشعوب لا تنتظر من حكوماتها توصيف الأزمة، بل تنتظر منها اعلان طريق الخروج إلى بر الأمان.











