من المنتظر أن تحتضن العاصمة العراقية بغداد خلال الأيام القليلة المقبلة (يوم السبت 17 مايو الجاري) القمة العربية العادية الثالثة والثلاثين، في وقت تتزايد فيه التحديات، وتتعاظم الأزمات في الجوار العربي: غزة تشتعل تحت القصف الإسرائيلي الوحشي، السودان ينزف، سوريا ما تزال تتأرجح بين التسوية والانهيار، لبنان غارق في الشلل، واليمن و ليبيا في دوّامة الحروب والتدخلات.
ورغم زحمة الملفات وخطورة اللحظة، لا يزال المواطن العربي يتساءل – وبحق: ماذا قدّمت القمم العربية السابقة؟
هل أنقذت وطنًا؟
هل أعادت حقًا؟
هل رفعت رأسًا؟
الجواب المُرّ: لا.
من أنشاص إلى بغداد.. بلا أثر
انطلقت أول قمة عربية عام 1946 في أنشاص، مصر، بحضور سبع دول فقط، وكان هدفها دعم فلسطين. ومنذ تلك اللحظة، توالت القمم، وتوالى معها العجز:
32 قمة عادية
12 قمة طارئة
5 قمم اقتصادية واجتماعية
أي ما يزيد عن 48 قمة رسمية، عدا عن اللقاءات الثنائية والتشاورية، والنتيجة على الأرض: “صفر كبير”.
فلسطين: الحاضر الغائب دومًا
تتصدّر فلسطين كل بيان ختامي، لكنها تغيب عن أي إجراء حقيقي.
لم تُوقف القمم مجزرة، ولم تحمِ طفلاً، ولم تحاصر محتلًا، ولم تدعم صمودًا بمعناه الكامل.
حتى مبادرة السلام العربية في بيروت عام 2002، استُقبلت إسرائيليًا بالاستهزاء، وبقيت حبراً على ورق في أدراج الجامعة.
ترامب.. والغنيمة
في زيارة واحدة، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الخليج بثلاثة تريليونات دولار، كان يمكن أن تُنقذ مستقبل الأمة، وتعيد إعمار غزة، وتنشئ اقتصادًا عربيًا حقيقيًا. لكن بعض العواصم لم ترَ في “الأمة” شيئًا سوى أنها عبء، ولم تجد في فلسطين سوى ورقة تفاوض مؤقتة.
قال ترامب حرفيًا إنه “يحمي مؤخرات بعض الحكام”، وهو محق للأسف، لأن بعضهم سلّم القرار والسيادة طوعًا.
جامعة عربية مشلولة:
البيانات الختامية محفوظة ومكررة: رفض العدوان، الدعوة إلى التسوية، دعم الشرعية، تعزيز التعاون، لكن لا خطة، ولا أداة تنفيذ، ولا حتى إرادة واضحة.
قمة بغداد: آخر الحلم؟
العراق، الذي يسعى إلى استعادة دوره الإقليمي، يحاول إنجاح هذه القمة. لكن نجاح القمة لا يُقاس بحجم الوفود ولا فخامة القاعات، بل بجرأة القرارات ومصداقية التنفيذ.
هل ستضع القمة خطة دعم مالي حقيقي لغزة؟
هل ستُوقف التشرذم العربي؟
هل ستبدأ مسارًا عربيًا مستقلًا بعيدًا عن الوصاية الخارجية؟
وأؤكد أن لدى المواطن العربي كل الحق في الشك.
الكلمة الأخيرة
ثمانية عقود من الاجتماعات.. والمشهد يزداد هشاشة.
ما لم تكن هناك إعادة تأسيس حقيقية للنظام العربي المشترك، سنظل ندور في حلقة الخيبة.
وحتى يتحقق ذلك، يبقى الشارع العربي يهمس ساخرًا، وبألم: «اجتمعوا كثيرًا.. لكنهم لم يبنوا شيئًا.»













