حين يهبّ الإعصار من واشنطن، لا يسلم من رياحه سوى من أدرك مبكرًا أن الحماية لا تُشترى، وأن السيادة لا تُقايَض.
جاء ترامب إلى المنطقة لا كضيف دبلوماسي، بل كـ«سمسار صفقات»، لا يرى في العواصم العربية سوى صناديق مفتوحة يمكن النبش فيها متى شاء.
لم يكن يحمل سلامًا، بل فاتورة، ولم يُلقِ خطابًا، بل أملى شروطًا. فهل استوعبنا الدرس قبل أن يُكتب تاريخ جديد، ليس بأيدينا، بل علينا؟
صفقات على حساب السيادة
منذ أن وطأت قدما دونالد ترامب أرض المنطقة، بدت ملامح «عهد جديد» لا يحمل بشائر استقرار، بل مزيدًا من التصدع والتبعية.
زيارة الرجل لم تكن بروتوكولية، ولا حتى استراتيجية بالمعنى التقليدي، بل كانت أقرب إلى غزوة اقتصادية وسياسية، استهدفت ما تبقى من تماسك في الجغرافيا العربية، وابتزت الخزائن الخليجية بوعود وهمية بالأمن والحماية.
واشنطن تجني التريليونات
جاء ترامب وهمه الأول والأخير انعاش الاقتصاد الأمريكي، ولو على أنقاض موازنات الحلفاء. فتح له العرب أبواب قصورهم وقلوبهم وخزائنهم، عن طيب خاطر، وبكرم عربي أصيل، لكنه ـ للأسف ـ كان في غير موضعه. تريليونات الدولارات تدفقت نحو واشنطن، في وقت تغرق فيه شعوب المنطقة في أزمات سياسية واقتصادية غير مسبوقة.
الانقسام العربي في مشهد علني
النصر الوحيد الذي عاد به ترامب من زيارته، لم يكن للعرب فيه نصيب. أمريكا حصدت المكاسب، وزادت من إحكام القبضة على من باتوا، في نظر الرأي العام، «تابعين للتابع».
والأنكى أن آثار هذه الزيارة المشؤومة لم تتوقف عند حدود المال والسيادة، بل امتدت لتحدث شرخًا في الصف العربي، قد يرسم ملامح مرحلة جديدة من التناحر.
قمة بغداد.. والغياب المُريب
فها هي إذاعة مونت كارلو تكشف أن قادة الدول التي اجتمع بها ترامب لن يحضروا القمة العربية المرتقبة في بغداد، في إشارة بالغة الدلالة إلى حجم الشرخ الذي خلفه الرجل في علاقات الإخوة والجوار.
مصر.. الرهان الرابح
الأيام ستثبت أن مصر، بثقلها التاريخي ودورها المحوري الذي لا يغيب، ستكون الفائز الوحيد في معادلة تزداد اضطرابًا. بعيدة عن فخاخ الهيمنة، ثابتة على مواقفها، غير قابلة للانحناء أمام العواصف.
سيدرك المهرولون خلف السراب أن القاهرة هي الحصن المنيع، حامية الديار والعروبة، ورمانة ميزان الاستقرار والسلام في المنطقة. فمن لا يقرأ التاريخ، لا يفهم الحاضر، ولا ينجو في المستقبل.
الصفعة.. لا تزال تُرنّ في الذاكرة
سيمضي ترامب، ويترك وراءه انقسامًا عربيًا أشد من خناجر الخصوم، واستنزافًا اقتصاديًا كان يمكن أن يبني أجيالًا، لا أن يُهدر في صفقات «حماية»وهمية.
إن لم تكن هذه الزيارة جرس إنذار، فهي بالتأكيد صفعة، وعلى من تبقى من العقلاء أن يتداركوا ما يمكن تداركه.
أما أولئك الذين مدّوا بساط التبعية تحت قدمي ترامب، فلينتظروا قادمات الأيام.. فالتاريخ لا يرحم الضعفاء، ولا يبرر الخيانة باسم الواقعية.














