حاولت أن أرسم صورة لعصر الباشوات قبل ثورة 1952، ومن منطلق قربي من أحدهم، تشكلت لدي قناعة بأن هؤلاء الباشوات، على الأقل في أغلبهم، كانوا أسوياء ووطنيين.
بعضهم تقلّد لقب الباشا نتيجة المناصب التي شغلوها أو بسبب مشاركاتهم في الحكومة، وليس بالضرورة لأنهم كانوا أثرياء. بل إن بعض الحكايات التي سمعتها تؤكد أن من بين الباشوات من عاشوا في الفقر.
الكاتب الصحفي الكبير محمد التابعي يروي قصة عن أحد الرجال الذين سعوا بكثرة بين القصر ودار المندوب السامي، بهدف الحصول على منصب وزاري إبان فترة حكم الملك فؤاد، حين كان يعمل على مواجهة حزب الوفد ذي الشعبية الواسعة.
وبعد أن حصل الرجل على هذه الوزارة، مُنح لقب الباشوية، وتحول بفضل منصبه الجديد إلى شخص ثري.
لكن عندما علمت بتفاصيل حياة هؤلاء الباشوات، تغيّرت نظرتي إليهم. أدركت أنهم بشر كغيرهم، يوجد بينهم الصالح والطالح.
لم يكن المال هو العامل الوحيد للحصول على لقب الباشا، بل لعبت عوامل أخرى دورًا، مثل التبرعات للملك، كما صوّرتها الدراما المصرية. ورغم ذلك، كان لديهم التزام بالأخلاق والقيم.
تُسرد في كتابات الدكتورة لطيفة سالم حكاية لعائلة كان مؤسسها تاجر محاصيل بدأ بشراء أراضٍ تعود للعائلة الخديوية، إلى أن وصل به الحال لامتلاك آلاف الأفدنة بفضل منح من والي مصر، سعيد باشا.
يظهر من قصص كهذه أنهم كانوا ملتزمين بقيم وأعراف عصرهم بشكل عام.
هذا بالطبع يختلف تمامًا عن «سوبر الباشوات» الذين نراهم اليوم، يستقلون سيارات فارهة ويحيطون أنفسهم بحراس غاية في الصرامة، دون أن يكون لهم أي وزن حقيقي أو تأثير فعلي.












