حين تُبيد آلة القتل الإسرائيلية البشر والحجر في غزة، وتتحول أجساد الأطفال إلى شظايا، لا بد أن نتساءل: أين موقع المسلمين والعرب من هذا الدم المسفوح؟ بل الأهم: هل يُحاسبهم الله على صمتهم، أو تخاذلهم، أو تواطؤ بعضهم؟
الإجابة ليست عاطفية، بل نجد جذورها في العقيدة والأخلاق والقرآن نفسه. فالساكت عن الحق شيطان أخرس، وتخاذل الأمة أمام الظلم جريمة لا تقلّ عن الظلم ذاته.
أين الإسلام من هذه المأساة؟
الإسلام لا يقرّ الظلم بأي صورة. يقول الله تعالى: “وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ” [النساء: 75]. هذه آية تُدين كل من يخذل المستضعف، وكل من يرى الدم ولا يتحرك.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» (رواه الحاكم). فهل هناك قضية أولى من غزة اليوم؟
التطبيع: خيانة أم براجماتية؟
يرى بعض الحكام أن التطبيع مع العدو الصهيوني «خيار استراتيجي»، لكن ماذا عن الضمير؟ عن الأرض؟ عن الدماء؟
هل تتحول فلسطين إلى ورقة تفاوض على طاولات المصالح؟
أليس هذا ما وصفه الله في قوله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ” [المائدة: 51].
إن كل يد تُصافح قاتل الأطفال، وكل من يشرعن الاحتلال علنًا أو ضمنًا، هو شريك في الجريمة.
السكوت الشعبي: هل هو عذر؟
قد يقول البعض: لا حيلة لنا، حكوماتنا قررت، والإعلام يضلل، لكن: ألم نُعطَ حرية الكلمة؟ ألم نُمنَح وسائل التعبير؟
إن أقل الإيمان كلمة صادقة، موقف أخلاقي، مقاطعة اقتصادية، تضامن إنساني.
هل تقبل الأديان ما يحدث في غزة؟
إن ما يجري في غزة من إبادة جماعية وتهجير قسري وقتل للمدنيين، ترفضه كل الأديان السماوية، لا الإسلام فقط.
ففي التوراة كما في الإنجيل، كما في القرآن، تُحرّم إراقة الدم البريء وتُقدّس النفس البشرية.
يقول سفر الخروج: «لا تقتل» (الخروج 20: 13).
ويقول يسوع في إنجيل متى: «طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون» (متى 5: 9).
أما في القرآن الكريم، فقال الله: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا» [المائدة: 32].
فأين هذه النصوص من قصف الأطفال وذبح العائلات تحت الركام؟
إن جرائم الاحتلال لا تمثل دينًا، بل تمثل أيديولوجيا استعمارية، والعجيب أن بعضهم يرتكبها باسم «الرب»، متناسيًا أن الربّ لا يرضى بالظلم ولا يتواطأ مع القتلة.
هل ماتت الإنسانية؟
مشاهد غزة تعرّي نفاق «العالم المتحضر»، لكنها تفضح أيضًا موت القيم عند كثير منّا.
نقرأ في القرآن: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا» [النساء: 93].
فماذا عن الذي يرى القتل ويبرره؟ أو يصمت؟
باختصار.. نعم، يُحاسب الله كل من تخاذل.
نعم، سيسألنا عن دم كل بريء ذُبح ونحن نعيش في الصمت.
غزة اليوم امتحانٌ لنا جميعًا.. إمّا أن نكون مع الحق، أو نُسجّل في خانة العار.
إمّا أن ننتصر للإنسانية، أو نخسر آخرتنا قبل دنيانا.














