في خضم التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة، ومع تزايد الحاجة إلى حوارات إقليمية شاملة، تأتي زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى القاهرة كمؤشر لمرحلة جديدة قد تحمل في طياتها فرصًا واعدة لإعادة بناء جسور التواصل بين بلدين يمتلكان من التاريخ والتأثير ما يؤهلهما للعب دور محوري في استقرار الشرق الأوسط.
لقد مرت العلاقات بين القاهرة وطهران بمحطات متعددة اتسمت في معظمها بالحذر والتباعد، نتيجة تباينات في الرؤى والمواقف حيال عدد من القضايا الإقليمية والدولية، ورغم ذلك، فإن السنوات الأخيرة شهدت تحركات مدروسة نحو التهدئة وفتح قنوات حوار هادئ، ما يعكس إدراكًا متبادلاً بأن استمرار الجمود لا يخدم استقرار المنطقة ولا مصالح شعوبها.
رغبة متبادلة في الحوار
زيارة الوزير الإيراني ولقاؤه بكبار المسؤولين المصريين لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي العام الذي يشهد تراجعًا في حدة الاستقطاب، وعودة تدريجية إلى منطق الحوار والتفاهم، ومصر، بثقلها العربي والتاريخي، وإيران، بمكانتها الجيوسياسية، يدركان أن تعزيز التواصل يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة لمعالجة التحديات المتراكمة في الإقليم.
التطورات الأخيرة، من الحرب في غزة، إلى تصاعد التوترات في البحر الأحمر، وما يرافقها من تحولات في المشهد الدولي، تفرض على القوى الإقليمية الكبرى مسؤولية مضاعفة في ضبط الإيقاع الإقليمي، ومنع انجرافه نحو مزيد من التعقيد.
منطق التوازن وتعدد الأقطاب
الشرق الأوسط لم يعد يحتمل منطق المحاور المتقابلة أو السياسات الإقصائية. هناك فرصة حقيقية لتبني مقاربة تقوم على «تعدد الأقطاب» وتوازن المصالح، وهو ما يمكن أن يشكل أساسًا لتعاون بناء بين القاهرة وطهران، بعيدًا عن الاصطفافات التقليدية، ووفق مقاربة تحفظ سيادة الدول وتدفع نحو الاستقرار والتنمية.
التفاهم المصري الإيراني – إن تحقق وتطور – لا يستهدف أحدًا، بل يسعى إلى تعزيز الأمن الجماعي الإقليمي، وتفعيل دور القوى الفاعلة في إيجاد حلول سياسية للأزمات الممتدة، بما في ذلك النزاعات في السودان واليمن وسوريا ولبنان.
مجالات تعاون واعدة
رغم التباينات التي لا يمكن إنكارها، فإن هناك مجالات تعاون حقيقية يمكن البناء عليها، منها:
حماية أمن الممرات البحرية وخطوط الملاحة الاستراتيجية.
دعم القضية الفلسطينية في إطار مقاربة تنسق الجهود بدل تشتتها.
العمل المشترك لمكافحة الإرهاب والتطرف وتعزيز الاعتدال الديني.
تشجيع الحوار الثقافي والتبادل الاقتصادي بما يعزز العلاقات بين الشعبين.
باختصار.. ما يجمع مصر وإيران من إرث حضاري وثقل سياسي، ومصالح مشتركة، يمكن أن يتحول إلى شراكة مسؤولة تساهم في بناء منظومة إقليمية أكثر توازنًا واستقرارًا، ورغم أن الطريق ما زال في بداياته، إلا أن الإرادة السياسية والرؤية الواقعية قد تمثلان العامل الحاسم في رسم مسار جديد للعلاقات الثنائية.
زيارة وزير الخارجية الإيراني ليست مجرد مناسبة دبلوماسية عابرة، بل قد تكون بداية لصفحة جديدة، تقوم على الحوار والاحترام المتبادل، وتفتح الباب أمام تعاون بناء يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها.










