اليوم، في يوم عرفة، ترتفع الأكف إلى السماء، وتلهج القلوب قبل الألسنة بدعوات لا تنقطع: «اللهم انصر غزة، اللهم عليك باليهود، اللهم ارنا فيهم يوماً أسود».
مشهد إيماني نبيل، يتكرر كل عام في كل بيت وكل مسجد وكل ميدان عربي ومسلم، وكأننا نراهن على أن تغيّر السماء ما لم نملك شجاعة تغييره على الأرض.
لكن الحقيقة المُرّة، التي نُصر على تجاهلها، أن الدعاء وحده لا يحرر غزة، وأن الله لا يحب الضعفاء الذين اختاروا العجز سبيلاً، وتغنّوا بالصبر وهم يختبئون خلفه من مواجهة الحقيقة والعمل والفعل.
منذ نكبة 1948، والمسلمون يرفعون الدعاء.. صلوات في المساجد، قداسات في الكنائس، بكاء في المجالس، وأناشيد في الجنازات، لكن شيئاً لم يتغير. 77 عاماً من الدعاء ولم يُسقط هذا الكيان، ولم تسترجع الأرض، ولم تُحمَ كرامة.
فهل قصّر الله؟ حاشاه.. أم أننا من قصّرنا وتواكلنا واستبدلنا الفعل بالانتظار، والبناء بالبكاء، والتحرك بالخطب الحماسية؟
الله سبحانه وتعالى، في كتابه الكريم، وعد بالإجابة: «ادعوني أستجب لكم».. لكنه في مواضع أخرى قرن النصر بالإعداد: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة».
وقرن التوكل بالعمل: «فإذا عزمت فتوكل على الله».. أما من اكتفى بالتواكل دون عمل، ورضي بالدعاء سلاحاً وحيداً، فهو كالذي يرمي سهماً من دون وتر، وينتظر أن يصيب به هدفاً.
الأنظمة العربية فشلت – أو تواطأت – في وقف العدوان على غزة، والمجتمع الدولي صامت أو شريك، فلم يتبقَ إلا الشعوب، لكن الشعوب التي لا تعرف إلا الدعاء ستورث أبناءها نفس الهزيمة المغلفة بالتقوى، كما ورثها أجدادنا منذ قرن.
غزة ليست فقط مأساة إنسانية، إنها اختبار تاريخي للوعي العربي، ولجدية الإيمان الذي نحمله.. هل نؤمن بأن الله ينصر من ينصره؟ أم أن «نصر الله» عندنا أصبح شعاراً فارغاً يُرفع في المسيرات، بينما نغرق في العجز والانتظار؟
ليس المطلوب أن يحمل كل فرد سلاحاً، بل أن يتحرك في مجاله: إعلامياً، اقتصادياً، قانونياً، شعبياً، أن تتحول القضية إلى مشروع تحرر حقيقي، لا دعاء موسمي في يوم عرفة أو ليلة القدر.
غزة اليوم تحتاج إلى من يقرأ الدعاء وهو يتحرك، لا من يبكي ويتراجع، تحتاج إلى مؤمن قوي، لا عابد متخاذل، فالله لا يحب الضعفاء الذين اختاروا الضعف، ولا ينصر من هزم نفسه قبل أن يواجه عدوه.












