اليوم نحن على موعد مع حلقة استثنائية، ومع قارئ لا يُشبَّه ولا يُقاس، ومع اسم إذا ذُكر في عالم التلاوة حضرت الهيبة قبل الصوت، وحضرت السلطنة قبل النغم.
إننا اليوم في حضرة سلطان القراء، زعيمهم، وصاحب النغم الفريد، والصوت الجميل الممتع الموسيقي … فضيلة الشيخ مصطفى إسماعيل رحمه الله رحمة واسعة.
الحديث عن الشيخ مصطفى إسماعيل ليس حديثًا عن مجرد صوت جميل يقرأ القرآن، وإنما هو حديث عن تجربة إنسانية وروحية كاملة. هو – في ظني – أول قارئ مع القرآن يمنحك إحساس “الاستمتاع” الخالص، لا بمعناه السطحي، وإنما الاستمتاع الذي يجمع بين جمال الصوت، وعمق الأداء، وحسن توصيل المعنى، مع الوقار والهيبة والخشوع.
تشعر وأنت تسمعه أن القرآن يُتلى لأول مرة بهذه الروح، وكأن الآيات تولد من جديد على شفتيه.
الشيخ مصطفى إسماعيل حالة فريدة بين أقرانه، ومختلف تمامًا عن كل من عاصروه أو سبقوه أو لحقوه. لا يشبه أحدًا، ولا يمكن أن يُستنسخ، ولا يمكن أن يُختزل في مقام أو قالب. هو قارئ يقرأ القرآن بحب، وتشعر بذلك الحب في كل آية، وفي كل مدّ، وفي كل وقفة، وفي كل انتقال.
كان يقرأ وهو مستمتع، ويُشعرك بأنك شريك في هذه المتعة، لا مجرد مستمع عابر.
ومن أعمق ما علق في ذهني عنه، ما سمعته له في لقاء إذاعي أو تلفزيوني، حين قال – بما معناه – إن ما يهمه أولًا وقبل كل شيء هو المخارج الصحيحة للحروف والكلمات، والأحكام الصحيحة، أما المقام فيأتي بعد ذلك أو لا يأتي، لا يهم.
وهنا مربط الفرس؛ الشيخ مصطفى إسماعيل ليس قارئًا “يقرأ على المقامات”، بل هو قارئ تُصنع المقامات على قراءته. لا ينبغي أن نُقحم القرآن في قوالب المقامات، وإنما المقامات هي التي تنحني احترامًا لصوته وأدائه.
ولهذا أقول – غير مبالغ – إن تراث الشيخ مصطفى إسماعيل يجب أن تُدرَس عليه المقامات، لا العكس.
حين تسمعه، تشعر أنه يمتلك النص القرآني، ويتحكم فيه أداءً لا معنى. يمتلك أدواته الصوتية تحكمًا كاملًا، يعرف متى يلين، ومتى يقسو، ومتى يعلو، ومتى يهمس، ومتى يترك للصمت أن يتكلم.
هو المتحكم في الأداء، لا الأداء هو المتحكم فيه.
ولي مع الشيخ مصطفى إسماعيل رحلة طويلة من الاستماع.
أحبه كما أحب غيره من عمالقة التلاوة، لكن له مكان خاص.
حين تسمعه في سورة آل عمران، من حفلة له في المسجد الأقصى المبارك واللا من المسجد العمري وحتى حفلات الأسكندرية، كنت تشعر أن الآية تُفسَّر بالصوت قبل الكلمة.
وحين تسمعه في سورة الحاقة – ويا سلام على سورة الحاقة بصوته – رغم هول الآيات وشدتها وقسوتها، إلا أنه يجعلك تعيش داخل المشهد، لا ترتعد خوفًا فقط، بل تفهم، وتتدبر، وتخشع.
وعندما يقرأ نهاية سورة القمر، أو ينتقل إلى الرحمن، أو يقف عند القارعة، أو يبحر في سورة يوسف… هنا تشعر أنك أمام فنان رباني، لا يكتفي بإجادة التلاوة، بل يصنع حالة شعورية كاملة.
في سورة الحجر، في آخرها، وفي أوائل النحل، تشعر أن هناك قارئًا يعرف أين يضع صوته، وأين يسحب النفس، وأين يترك للمعنى أن يستقر.
الشيخ مصطفى إسماعيل قارئ ذو مواصفات خاصة، لم تجتمع لأحد غيره بهذه الصورة.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تكون له مدرسة قرآنية كاملة تُنسب إليه، وإن لم تكن مدرسة نظامية مكتوبة، لكنها مدرسة حاضرة في الأداء، وفي الروح، وفي الأسلوب.
طلاب هذه المدرسة كثيرون، ومنهم نابهون ومبدعون، يحاكونه ويستلهمون منه، ويُحيون تراثًا عظيمًا، كما هو الحال في مدرسة المنشاوي ومدرسة عبد الباسط عبد الصمد.
ومن لطيف ما صادفته في أسفاري، أنني التقيت بآسيويين – وخصوصًا من تركيا – يعشقون عشقًا خاصًا شيئًا اسمه الشيخ مصطفى إسماعيل.
كانوا يتحدثون عنه كما لو كان أحد أفراد ذاكرتهم الروحية، لا مجرد قارئ مصري.
وهنا تدرك أن الرجل لم يكن محليًّا ولا إقليميًّا، بل كان عالميًّا بامتياز.
لقد جاب الشيخ مصطفى إسماعيل الكرة الأرضية شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا.
قرأ القرآن في جنوب أفريقيا، كما قرأه في كندا، وفي لندن، وفي أنحاء أوروبا، وفي الدول العربية.
حمل القرآن معه، وحمل مصر معه، وحمل مدرسة التلاوة المصرية إلى العالم كله.
ولهذا، حين أصفه بـسلطان القراء، فلا أراه لقبًا مجازيًّا أو دعائيًّا.
أما لقب “قارئ الملوك”، فلا يشغلني كثيرًا؛ لأن أهل القرآن هم الذين يضيفون للمكان، لا المكان هو الذي يضيف إليهم.
اللقب الحقيقي هو ما تركه في القلوب، وما خلّده في السمع والوجدان.
رحم الله الشيخ مصطفى إسماعيل، وبارك في ما ترك، ونفع الله بقرآنه، وجعل ما قرأ في ميزان حسناته، وجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وأنا – من أعماق قلبي – أتمنى أن أسمعه في الجنة، هو والمنشاوي، ومحمد رفعت، وعبد الباسط، وجدي عبد العزيز رحمهم الله أجمعين…
أتمنى أن أسمع قرآنهم هناك، حيث لا تعب ولا نقص ولا فراق.
اللهم اكتبها لنا يا رب.
وإلى الغد…
في حلقة جديدة من قصتي مع أهل القرآن الكريم.













