لم تكن الشرارة الأولى بين إسرائيل وإيران صاروخًا يخترق السماء، ولا طائرة مسيّرة تحوم فوق الحدود المتوترة، بل كانت بصوت كاتم مكتوم في أحد شوارع طهران الضيقة عام 2010، حين اغتيل العالم النووي مسعود علي محمدي.
في تلك اللحظة، انطلقت مرحلة جديدة من الصراع بين الطرفين، صراع لا يدار فقط في الجو والبحر، بل في العقول والمختبرات والممرات المعتمة لمراكز الأبحاث.
منذ اغتيال علي محمدي، تصاعدت موجة الاستهدافات لتشمل علماء بارزين مثل مجيد شهرياري، داريوش رضائي، وأخيرًا نقطة التحول الأهم: اغتيال محسن فخري زاده عام 2020، الذي يُعد الأب الروحي للبرنامج النووي الإيراني.
هذه الاغتيالات ليست عمليات عشوائية، بل جزء من استراتيجية محسوبة ضمن ما بات يُعرف بـ«حرب الظل»، التي تديرها إسرائيل بوسائل استخباراتية عالية التقنية، وعبر شبكة عملاء وتعاون عابر للحدود.
الرسالة في كل مرة كانت واحدة: العقول التي تدفع المشروع الإيراني نحو الأمام، هي الهدف الأول.
ورغم أن إيران لم ترد مباشرة بأسلوب مشابه، فإن ردها جاء على شكل خطوات أكثر تعقيدًا:
- تسريع وتيرة تخصيب اليورانيوم.
- تعزيز الحماية الأمنية للعلماء.
- فتح جبهات إقليمية متعددة في سوريا ولبنان والعراق واليمن، باستخدام أذرعها المسلحة للضغط غير المباشر على تل أبيب.
مع اندلاع جولة الحرب الحالية بين إيران وإسرائيل في يونيو الجاري، عادت سياسة استهداف العلماء بقوة.
ففي غضون أيام قليلة، وثّقت التقارير اغتيال ما لا يقل عن 14 عالمًا وخبيرًا إيرانيًا، بينهم أسماء قيادية في البرنامج النووي والصاروخي:
- فريدون عباسي-دواني: الرئيس السابق للوكالة الإيرانية للطاقة الذرية، اغتيل في 13 يونيو.
- محمد مهدي طهرانچي: رئيس جامعة آزاد، وعالم فيزياء نظرية، قُتل في اليوم نفسه.
- أحمد رضا زلفغاري: أستاذ الفيزياء النووية بجامعة شاهيد بهشتي، قُتل مع مرافقه في 13 يونيو.
- عبدالحميد مينوچر: رئيس كلية الهندسة النووية في جامعة شاهيد بهشتي.
- إلى جانب: سعيد بروجي، أمير حسين فقيهي، ومهندس يُعرف باسم موتاليبزاده.
تزامنت هذه الاغتيالات مع هجمات سيبرانية وانفجارات دقيقة طالت منشآت نووية في أصفهان ويزد وطهران، بما يؤكد أن إسرائيل اختارت مرة أخرى أن تبدأ من «العقل» لا من السلاح.
من أبرز العمليات خلال التصعيد الحالي:
- اغتيال رضا حسيني، خبير الذكاء الاصطناعي والأنظمة الموجهة.
- تصفية كامران ملائي، مختص تطوير أجهزة الطرد المركزي، بعبوة ناسفة داخل سيارته.
- قنص الدكتور سعيد كاظمي، المتخصص في فيزياء المواد النانوية.
- حادث سير غامض أودى بـبهروز صالحي، مهندس أنظمة دفاعية.
- تفجير منشأة تحت الأرض أدى إلى مقتل الدكتور مهدي فرزاد، أحد مسؤولي التوجيه الباليستي.
جميعها تحمل بصمات دقيقة وعناصر تكررت في اغتيالات سابقة، تعزز فرضية الانخراط الاستخباراتي المباشر.
في هذا النوع من الحروب، لا تُقصف العواصم فحسب، بل تُقصف العقول.
تدرك إسرائيل أن صواريخها لا تكفي ما لم تُعطل منظومة العلماء التي تحرّك ماكينة المشروع النووي الإيراني. وتدرك طهران أن بقاءها في المعادلة الإقليمية مرهون بقدرة هؤلاء العلماء على الإبداع والتطوير رغم كل التهديدات.
في الحرب الإيرانية الإسرائيلية، لم يكن العلماء مجرد “خسائر جانبية” بل أهداف رئيسية، يتقدمون ساحة المعركة بصمت، ويُسقطون دون ضجيج.
لكنّ دماءهم ما تزال ترسم مسار هذه المواجهة، التي لا تُحسم في السماء أو في الميدان، بل في معادلة: من ينتصر أولاً في صراع العقول.. ينتصر في الحرب.














