في الوقت الذي يتجه فيه اهتمام العالم إلى التصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل، يغيب عن الأضواء صراع أكثر خطورة وعمقًا «حرب الجواسيس».
إنها مواجهة غير معلنة تدور في الخفاء، تديرها أجهزة استخبارات متقدمة، وتتحكم بمسارات التصعيد والتهدئة، وتؤجج الصراعات على الأرض دون طلقة واحدة.
منذ اغتيال العالم النووي الإيراني مسعود علي محمدي عام 2010، دخلت المواجهة بين الموساد الإسرائيلي والاستخبارات الإيرانية مرحلة جديدة.
لم تعد تقتصر على الرصد والمراقبة، بل تطورت إلى عمليات اغتيال دقيقة، واختراقات أمنية واسعة.
برز في هذا السياق اسم «كاثرين شمت»، التي وُصفت في تقارير إعلامية واستخبارية بأنها واحدة من أخطر الجواسيس الذين دخلوا إيران تحت غطاء العمل الإنساني واللجوء، قبل أن تتضح علاقتها بالموساد الإسرائيلي.
لم تكن كاثرين حالة فردية، بل جزءًا من شبكة أوسع استغلّت ملف اللاجئين كغطاء لزرع عملاء داخل العمق الإيراني، وجمع معلومات دقيقة عن البرنامج النووي وأماكن تحرك القيادات.
تُعد قضية اللاجئين واحدة من أخطر الثغرات التي تستغلها أجهزة الاستخبارات حول العالم، فالهشاشة الأمنية المحيطة بملف اللجوء، والضعف النسبي في آليات التحقق من الهوية، يفتحان الباب أمام تمرير عملاء وجواسيس بطرق شبه شرعية.
الموساد – بحسب تقارير أمنية – اعتمد على هذه الفجوة لتجنيد عناصر داخل معسكرات اللجوء، أو تمرير عملائه متخفيين وسط موجات النزوح الإقليمي، خاصة في دول تشهد اضطرابات أو نزاعات مسلّحة.
في هذا السياق، يتحول اللاجئ من متلقٍ للحماية إلى أداة تُستغل – أحيانًا دون علمه – في عمليات اختراق وتخريب.
هذه الحقيقة تضع الدول المستضيفة أمام معادلة صعبة: كيف توفّر الحماية الإنسانية دون تعريض أمنها الوطني لاختراقات خطيرة؟ وكيف توازن بين الواجب الأخلاقي والضرورات الأمنية؟
في المقابل، لم تبقَ إيران في موقف الدفاع، إذ عملت على تعزيز أنشطتها الاستخباراتية في الخارج، عبر «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري، وأقامت شبكات استخبارية وخلايا نائمة في دول مثل سوريا ولبنان والعراق.
كما اتُّهمت بتنفيذ عمليات خارجية استهدفت دبلوماسيين ومعارضين وشخصيات على صلة بإسرائيل، أو حتى مصالح غربية حليفة لها.
المعركة لا تدور فقط بالأجساد، بل بالأكواد أيضًا، الحرب السيبرانية بين طهران وتل أبيب باتت جزءًا أصيلًا من المواجهة.. من هجوم «ستاكس نت» الذي عطّل آلاف أجهزة الطرد المركزي الإيرانية، إلى عمليات اختراق إيرانية لأنظمة المياه والمطارات الإسرائيلية، يظهر الجاسوس الجديد كخبير تقني لا يحمل سلاحًا، بل خوارزميات.
الجاسوسية بين إسرائيل وإيران لم تعد فصلًا هامشيًا في صراعهما، بل هي المحرّك الصامت لأحداث كبرى.. في زمن الحروب المركّبة، الجاسوس قد يكون لاجئًا، أو موظف إغاثة، أو مهندس برمجيات، لكنه في النهاية، يُشعل فتيل أزمات تتجاوز الحدود، وتعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة.










