في غزة، لا أحد ينجو فعليًا، هناك من يموت برصاصة وهو يحاول الوصول إلى كيس دقيق، وهناك من يُحرق بقذيفة محرّمة دوليًا، ومن يُدفن حيًّا تحت الأنقاض، لا خيار أمام المدنيين إلا أحد أبواب الموت.. أما من ينجو، فهو فقط مؤجلٌ إلى دورة موتٍ أخرى، ولكنه يموت ألف مرة في اليوم لأنه ما زال حيًا.
المشهد في القطاع ليس معركة بين جيشين، بل إبادة ممنهجة لسكان مدنيين، بين أطفال ونساء وشيوخ، يُقتلون وهم يبحثون عن فتات الخبز، أو زجاجة ماء، يُقنصون قرب شاحنات المساعدات وكأنهم مجرمون، يُحرقون بأسلحة محرمة، وتُدفن عائلات بأكملها تحت الأنقاض.
إنه فصلٌ جديد من فصول الإبادة الجماعية، استهداف عشوائي ومدروس في آنٍ واحد، قاتل مهوس لا يشبع، لا يفرّق بين طفل وامرأة، بين شيخ وممرض، بين لاجئ وصحفي، كل من يعيش في غزة.. مستهدف.
في شوارع القطاع، لم يعد الموت مفاجئًا، بل صار متوقعًا، يمضي الطفل إلى أقرب شاحنة إغاثة، فتستقر رصاصة في رأسه.. تخرج الأم تبحث عن ماء، فتُقصف.. يجري الناس إلى الملاجئ، فتهاجمهم الصواريخ، هذا ليس خطأ عسكريًا.. بل خطة ممنهجة لتجويع، وترهيب، ثم إبادة.
في غزة، الشهادة ليست حدثًا فرديًا، بل إرث يتوارثه الأبناء، الشهيد ابن شهيد، وأخ شهيد، ووالد شهيد، وخال وعم شهيد.. الدم متصل من جيل إلى جيل، كأن هذا الشعب خُلق ليقدّم روحه بلا مقابل، إلا لرضا الله وكرامة الأرض.
في غزة، لا أحد يسأل كيف مات، بل متى مات، في كل حيّ، على كل زاوية، قصة عائلة انتهت بالكامل، لا أحد بقي ليحكي، والغريب أن العالم يرى ويسمع.. لكنه لا يتحرك.
ما يُرتكب في غزة اليوم هو حرب إبادة بكل المعايير، بشهادة الركام، والدم، والمجازر المصوّرة، الاحتلال لا يكتفي بتدمير الحجر، بل يسعى لمسح الذاكرة، والهوية، والكرامة.
رغم كل شيء، لا تنكسر غزة، تخرج من بين الدمار بأناشيد الصمود، وتُشيّع أبناءها كما تُشيّع الدول عظماءها.. في كل بيت قصة، وفي كل شارع حكاية بطولة.
ما يحدث في غزة ليس فقط خرقًا للقوانين الدولية، بل تواطؤ عالمي بالصمت، الجرائم تُرتكب على الهواء مباشرة، والضمير الإنساني غائب.. مؤسسات حقوق الإنسان عاجزة، ومجلس الأمن مكبّل، والعالم الحر اختار أن يغمض عينيه عن أكبر مأساة إنسانية في العصر الحديث.
ما أعظم هذا الشعب الذي جعل من الشهادة حياة، ومن القبر مدخلًا إلى الفردوس.. في غزة، الحياة رغم قسوتها، أنقى من حياة العالم كلّه، لأنها تنبع من إيمان لا يُهزم.
هذه ليست نكبة، بل نُسخة متطوّرة من كل النكبات، إنها النهاية التي أرادوها.. وبداية لا يريدونها، فكل شهيد يولد بعده ألف مقاتل، وكل بيت يُهدم، تُبنى مكانه ذاكرة لا تُنسى.
غزة لا تموت… هي فقط تُسلّم أرواحها للسماء، واحدةً تلو الأخرى، على مرأى من صمت العالم وعجز الضمير الإنساني.
رغم كل شيء، تظل غزة واقفة، تودّع أبناءها بعيون دامعة وقلوب ثابتة، فهناك، الموت شهادة، والركام كرامة، والدماء شرفٌ يُرفع لا يُخفى.. إنها غزة، حيث لا يموت الناس إلا واقفين، وحيث الطريق إلى الجنة يمرّ من بين الأنقاض.













