تركز العالم بأسره على الحريق الذي اندلع في سنترال رمسيس، وهو أحد أهم مراكز الاتصالات في مصر لما يمثله من دور رئيسي في تشغيل شبكات الربط، أجهزة التنصت، الاتصالات الدولية، وشبكات الهاتف المحمول، كما ورد في بيان وزارة الاتصالات وجهاز تنظيم الاتصالات.
وعلى الرغم من التصريحات الأولية التي قللت من خطورة الحريق وأكدت السيطرة عليه، فوجئنا بحجم الحادث الكبير، حيث أسفر عن وقوع ضحايا وتأثر الاقتصاد المصري بشكل ملحوظ، بالإضافة إلى الأضرار الكبيرة التي لحقت بشبكات المحمول والانقطاع المستمر لخدمات الإنترنت في مناطق واسعة من القاهرة الكبرى حتى وقت كتابة هذه السطور.
يجب أن نعترف بأن الحرائق حوادث قدريّة طالما لم تكن بفعل فاعل. لكن السؤال الأهم هو: هل يمكن تجنبها أو تقليل آثارها عند وقوعها؟ خصوصًا أن القوانين المصرية تلزم المؤسسات العامة والخاصة بضرورة توفير أجهزة الإطفاء والإنذار، وتدريب العاملين على استخدامها وطرق الهروب في حالات الطوارئ.
ومع ذلك، يبدو أن هذه الإجراءات لم تنفذ بالشكل المطلوب في حالة حريق سنترال رمسيس، حيث تم العثور على أربعة ضحايا في مكان عملهم بعد يوم من الحادث، مما يدل على افتقارهم للتدريب اللازم وفقًا لما تنص عليه قوانين العمل، والتي تم تحديثها مؤخرًا.
عامل آخر يمكن أن يقلل من آثار الحرائق هو الصيانة الدورية السريعة والتعامل الفوري مع أي مشاكل تظهر، وهذه النقطة تتضح أهميتها بشكل أكبر مع ارتفاع درجات الحرارة في مصر، خاصة في القاهرة التي تزيد فيها معدلات الحرارة المحسوسة بسبب الرطوبة والتلوث بنحو خمس درجات عن المعدلات المعلنة من هيئة الأرصاد الجوية.
ومن المعروف أيضًا أن منطقة السنترال تقع في واحدة من أكثر المناطق تلوثًا في العالم بسبب عوادم السيارات ووسائل النقل المختلفة، مما يزيد من قابلية اندلاع الحريق. وهنا تبرز أهمية توفير أجهزة تبريد قوية تعمل بشكل مستمر لمواكبة الظروف المناخية، خاصة وأن معظم المعدات المستخدمة داخل السنترال مستوردة وغير مهيأة للعمل في درجات الحرارة المرتفعة.
الحلقة المفقودة الأخرى في التعامل مع هذا الحريق تتمثل في غياب الشفافية وتضارب المعلومات الواردة من الجهات الرسمية مثل وزارة الاتصالات وجهاز تنظيم الاتصالات.
بدلاً من التحدث بواقعية عن حجم الحادث، جرى التقليل منه بزعم عدم نشر الذعر بين المواطنين. هذه الطريقة باتت غير مقبولة في عصرنا الحالي، حيث إن تقديم المعلومات الدقيقة هو ما يمنح الناس الثقة بأجهزة الدولة ويقلل الشائعات. ونحن بحاجة ملحة لإقرار قوانين تحقق حرية تداول المعلومات ومنع تضارب المصالح لضمان الحوكمة الرشيدة.
الحريق أظهر بوضوح أن هناك مشكلات عميقة تستدعي إصلاحًا حقيقيًا. الأمر لا يتعلق فقط بحجم الكارثة أو عدد الضحايا، بل أيضًا بتكرار الحوادث على مدار ثلاثة أيام متتالية برغم جهود فرق الحماية المدنية التي أثبتت كفاءتها وسرعة استجابتها.
وعلى الرغم من كل الأعباء والصعوبات، فإن هؤلاء الأبطال يستحقون كل التحية والتقدير لدورهم الكبير في مواجهة هذا الحدث المؤلم.












