لأكثر من سبعة عقود، شكّلت القضية الفلسطينية حجر الزاوية في الوجدان العربي، لم تكن مجرد صراع حدود، بل رمزًا جامعًا لهوية عربية واحدة تتجاوز الحدود والطوائف.
كانت فلسطين نقطة التقاء نادرة في منطقة تزداد انقساماتها، مظاهرات، أناشيد، أفلام، وكتابات جسدت هذا التعاطف الشعبي الواسع، ورسّخت الفلسطيني كـ «صاحب قضية»، و«رمز مقاومة»، لكن شيئًا ما تغيّر تدريجيًا.
مرّت مواقف الأنظمة العربية بتحولات جوهرية، في بدايات الصراع، كانت الدول تتسابق لإعلان دعمها للفلسطينيين، سياسيًا وماليًا، وحتى عبر الحروب، ثم جاءت نكسة 1967، فاهتزت الصورة، وتراجع الزخم، خاصة بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد.
وبمرور الوقت، تحول الموقف الرسمي إلى خطاب مزدوج، إعلام يتحدث عن فلسطين، وسياسات تتجه نحو المصالح الثنائية مع إسرائيل.
من اتفاق أوسلو إلى التطبيع العلني في بعض العواصم، أصبحت فلسطين حاضرة كـ «ملف» في خطابات الزعماء، لكنها غائبة في الواقع السياسي اليومي.
أما الشعوب، فقد عاشت تحولات موازية ولكن من نوع آخر، من شعور قومي مشترك، وتضامن عابر للدول، بدأت تظهر اللامبالاة تدريجيًا.
لم يكن هذا نتيجة ضعف التضامن الأخلاقي، بل بفعل عوامل معقدة:
- تكرار الفشل السياسي الفلسطيني في توحيد الصف.
- فساد بعض القيادات وتورطها في مصالح خارجية.
- تضليل إعلامي يجعل القضية تبدو معقدة أو بعيدة.
- صعود أولويات داخلية تتعلق بالبطالة، والحرية، والفساد المحلي.
بات المواطن العربي، الذي كان يهتف لفلسطين في الشوارع، حبيسًا لأزمات معيشية تجعل الاهتمام «بالقضية الكبرى» رفاهية لا يقدر عليها.
في بعض البلدان، تحول الخطاب تجاه الفلسطيني من التعاطف إلى الريبة أو العداء الصامت، تحمله بعض وسائل الإعلام مسؤولية صراعات لم يخترها، أو تُحمّل القضية نفسها تبعات انقسامات سياسية داخلية، كما حدث بعد «الربيع العربي».
هذا التحول لا يعكس موقفًا حقيقيًا من الشعب الفلسطيني، بقدر ما يعكس إفلاسًا أخلاقيًا في الخطاب السياسي والإعلامي الذي يسعى إلى تبرير الفشل الداخلي بخلق «أعداء وهميين».
ورغم كل ما سبق، فإن شعلة التعاطف لم تنطفئ تمامًا، عند كل عدوان على غزة، أو اجتياح في الضفة، تتحول منصات التواصل إلى ساحات تضامن شعبي واسع، يظهر فيها الفلسطيني من جديد كصاحب قضية، لا مجرد عنوان سياسي.
بل إن الجيل الجديد، رغم اللامبالاة السياسية الظاهرة، يعيد إنتاج القضية بطريقة مختلفة، من خلال الموسيقى، الفن، حملات المقاطعة، أو التوثيق الرقمي، بعيدًا عن خطاب الزعامات البالية.
الفلسطيني لم يفقد رمزيته، بل تآكلت مكانته بسبب تحولات داخلية عربية، فمن الظلم اختزال القضية في صراعات الفصائل أو أخطاء القيادات.
ما يحدث لفلسطين يعكس، في عمقه، ما يحدث للعالم العربي نفسه، تآكل للقيم، انهيار للمشروع القومي، وصعود فردانية سياسية خانقة.
القضية الفلسطينية ليست عبئًا، بل مرآة نرى فيها فشلنا أو أملنا، وإن كانت السياسات تتغير، فإن الوجدان، وإن خفت، لا يموت.













