منذ تأسيس الكيان الصهيوني على أنقاض فلسطين عام 1948، لم يكن هدف إسرائيل مجرد إقامة دولة على أرض مغتصبة، بل بناء مشروع توسعي كبير، يتجاوز حدودها الحالية إلى ما يُعرف في أدبياتها بـ«إسرائيل الكبرى» أو «الوطن الأكبر».
هذا المشروع ليس أسطورة دعائية، بل سياسة ممنهجة، تتجسد في خرائط واستراتيجيات وتحركات عسكرية واقتصادية وسياسية متشابكة.
إسرائيل تدرك أن قوتها الحقيقية لا تكمن فقط في ترسانتها العسكرية، بل في قدرتها على اختراق المنطقة، وإعادة تشكيلها بما يخدم مصالحها.
التغلغل الإسرائيلي الاقتصادي في أسواق عربية، والتطبيع السياسي، وفرض معادلات أمنية جديدة، ليست إلا أدوات مرحلية نحو الهدف الأكبر، السيطرة غير المباشرة على الشرق الأوسط من النيل إلى الفرات، كما ورد في وثائق وخطابات قادتها.
الحروب التي أشعلتها أو دفعت إليها، من العراق إلى سوريا ولبنان، ليست إلا حلقات متصلة في مخطط إضعاف الدول المحيطة وتفتيت نسيجها الداخلي، حتى يسهل إخضاعها.
واليوم، ما يجري في غزة والضفة، ومحاولات تهجير الفلسطينيين، هو رأس الحربة في هذا المشروع؛ فإذا سقطت غزة، سقط الحاجز النفسي أمام مزيد من التوسع.
تعوّل إسرائيل في تنفيذ مشروعها التوسعي على واقع الانقسامات والانشقاقات العميقة التي تشهدها دول المنطقة، فحروب الداخل، والصراعات المذهبية والعرقية، والانقسامات السياسية، حولت كثيرًا من العواصم العربية إلى ساحات صراع مفتوح، أضعفت مؤسسات الدولة وشتتت طاقات الشعوب.
وفي ظل هذا التآكل الداخلي، يصبح من السهل على الكيان الصهيوني أن يتسلل سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، مستفيدًا من انشغال الدول بأزماتها الذاتية، بل وأحيانًا مستثمرًا فيها عبر تأجيج النزاعات ودعم أطراف على حساب أخرى.
ولا تكتفي إسرائيل باستغلال الضعف العربي، بل تبني جزءًا كبيرًا من خطتها على الفيتو الأمريكي الذي يحميها من أي مساءلة دولية، ويمنحها حصانة في مجلس الأمن، إلى جانب التعصب الغربي الذي يغض الطرف عن جرائمها، بل ويمنحها الغطاء السياسي والعسكري والاقتصادي.
هكذا يتكامل الداخل العربي الممزق مع الخارج المنحاز، ليشكّل البيئة المثالية لتمدد المشروع الصهيوني نحو تحقيق حلمه المزعوم بـ«الوطن الأكبر».
لكن أمام هذا المخطط، هناك حقيقة ثابتة، كلما تمددت إسرائيل، كلما ارتفع منسوب المقاومة في المنطقة، فالمشروع التوسعي الذي يستهدف الشرق الأوسط كله، لا يهدد فلسطين وحدها، بل يهدد الهوية العربية والسيادة الوطنية لكل دولة.
باختصار.. إن مواجهة «حلم الوطن الأكبر» لا تكون بالشعارات فقط، بل ببناء جبهة عربية موحدة، وبتقوية الجبهة الداخلية لكل دولة، ورفض أي مسار تطبيعي يمنح الاحتلال شرعية وجوده أو توسعه.
إسرائيل تراهن على النسيان العربي، لكن التاريخ علّمنا أن الشعوب لا تنسى، وأن أحلام الغزاة مهما بدت واقعية، تتحطم عند أول شعلة مقاومة صادقة.
الرسالة التي يجب أن يدركها قادة الاحتلال، حدودكم هي حدود الباطل، والباطل لا يدوم.














